السَّلام عَلَيْكَ يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ، السَّلام عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ، السَّلام عَلَيْكَ يَا ابْنَ أمِيرِ المُؤْمِنينَ وَابْنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ ، السَّلام عَلَيْكَ يَا ابْنَ فاطِمَةَ الزّهراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ ، السَّلام عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وابْنَ ثارِهِ وَالْوِتْرَ المَوْتُورَ ، السَّلام عَلَيْكَ وَعَلَى الأرواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ،وَأنَاخَتْ بِرحْلِك عَلَيْكُمْ مِنّي جَميعاً سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ.يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ، لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ ، وجَلّتْ وعَظُمَتْ المُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنا وَعَلَى جَمِيعِ أهْلِ الإسلام ، وَجَلَّتْ وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّمَوَاتِ عَلَى جَمِيعِ أهْلِ السَّمَوَاتِ ، فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسَّسَتْ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَأزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيها ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتْكُمْ ، وَلَعَنَ اللهُ الْمُمَهِّدِينَ لَهُمْ بِالتَّمْكِينِ مِنْ قِتالِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ وَأوْلِيائِهِمْ.يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ، إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَوليٌ لِمَنْ والاكُم وعدوٌّ لِمَنْ عَاداكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ، وَلَعَنَ اللهُ آل زِيَاد وَآلَ مَرْوانَ ، وَلَعَنَ اللهُ بَنِي اُمَيَّةَ قاطِبَةً ، وَلَعَنَ اللهُ ابْنَ مَرْجانَةَ ، وَلَعَنَ اللهُ عُمَرَ بْنَ سَعْد ، وَلَعَنَ اللهُ شِمْراً ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً أسْرَجَتْ وَألْجَمَتْ وَتَهيّأتْ وَتَنَقَّبَتْ لِقِتالِكَ ، بِأبِي أنْتَ وَاُمِّي لَقَدْ عَظُمَ مُصابِي بِكَ ، فَأسْالُ اللهَ الّذِي أكْرَمَ مَقامَكَ ، وَأكْرَمَنِي بِكَ ، أنْ يَرْزُقَني طَلَبَ ثارِكَ مَعَ إمام مَنْصُور مِنْ أهْلِ بَيْتِ مُحَمَّد صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ. اللهمّ اجْعَلْني عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مِنَ المقَرّبينْ . يَا أبَا عَبْدِ اللهِ ، إنِّي أتَقَرَّبُ إلى اللهِ تعالى ، وَإلَى رَسُولِهِ ، وَإلى أمِيرِ المُؤْمِنينَ ، وَإلَى فاطِمَةَ ، وإلى الحَسَنِ وَإلَيْكَ بِمُوالاتِكَ ، ومُوالاةِ أَوليائِك وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ وَنَصبَ لَكَ الحَربَ ، وبالْبَرَاءةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ الظُّلْمِ وَالجَوْرِ عَلَيْكُمْ ، وَعلى أشياعِكُم وَأبْرَأُ إلى اللهِ وَإلى رَسُولِهِ وَبِالبراءِةِ مِمَّنْ أسَّسَ أساسَ ذلِكَ ، وَبَنى عَلَيْهِ بُنْيانَهُ ، وَجَرَى في ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أشْياعِكُمْ ، بَرِئْتُ إلى اللهِ وَإلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأتَقَرَّبُّ إلى اللهِ وَإلى رَسولِهِ ثُمَّ إلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُم وَمُوالاةِ وَلِيِّكُمْ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أعْدائِكُمْ ،وَالنَّاصِبِينَ لَكُم الحَرْبَ ، وَبِالبَرَاءَةِ مِنْ أشْياعِهِمْ وَأتْباعِهِمْ ، يا أبا عَبدِ الله إنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداكُمْ ، فَأسْألُ اللهَ الّذِي أكْرَمَني بِمَعْرِفَتِكُمْ ، وَمَعْرِفَةِ أوْلِيائِكُمْ ، وَرَزَقَني البَراءَةَ مِنْ أعْدائِكُمْ ، أنْ يَجْعَلَني مَعَكُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأنْ يُثَبِّتَ لي عِنْدَكُمْ قَدَمَ صِدْق في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، وَأسْألُهُ أنْ يُبَلِّغَنِي الْمقامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَأنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِي مَعَ إمَام مَهْدِيٍّ ظَاهِر نَاطِق بالحقِّ مِنْكُمْ ، وَأسْألُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أنْ يُعْطِيَنِي بِمُصابِي بِكُمْ أفْضَلَ ما يُعْطِي مصاباً بِمُصِيبَتِهِ ، يا لَها منْ مُصِيبَة مَا أعْظَمَها وَأعْظَمَ رَزِيّتهَا فِي الإسلام وَفِي جَمِيعِ أهلِ السَّموَاتِ وَالارْضِ . اللهُمَّ اجْعَلْني في مَقامِي هذا مِمَّن تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ . اللهُمَّ اجْعَلْ مَحْيايَ مَحْيا مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَمَماتي مَماتَ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد . اللهُمَّ إنَّ هَذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو اُمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الاكْبادِ ، اللعِينُ بْنُ اللعِينِ عَلَى لِسانِكَ وَلِسانِ نَبِيِّكَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ في كُلِّ مَوْطِن وَمَوْقِف وَقَفَ فِيهِ نَبيُّكَ - صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ - . اللهُمَّ الْعَنْ أبَا سُفْيانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وآلَ مَرْوَانَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ اللعْنَةُ أبَدَ الآبِدِينَ ، وَهذا يَوْمٌ فَرِحَتْ بِهِ آلُ زِيَاد وَآلُ مَرْوانَ عَليهِمُ اللَّعْنةُ بِقَتْلِهِمُ الحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلام ، اللهُمَّ فَضاعِفْ عَلَيْهِمُ اللعْنَ وَالعَذابَ الأليم . اللهُمَّ إنِّي أتَقَرَّبُّ إلَيْكَ في هذَا اليَوْمِ ، وَفِي مَوْقِفِي هَذا ، وَأيَّامِ حَيَاتِي بِالبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَاللعْنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالْمُوالاةِ لِنَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيِه وعَلَيْهِمُ السَّلام. ثمّ تقول : اللهُمَّ الْعَنْ أوّلَ ظالِم ظَلَمَ حَقَّ مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد ، وَآخِرَ تَابِع لَهُ عَلَى ذلِكَ ، اللهُمَّ الْعَنِ العِصابَةَ الَّتِي جاهَدَتِ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلام وَشايَعَتْ وَبايَعَتْ وَتابَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ. اللهُمَّ الْعَنْهم جَميعاً ( يقول ذلك مائة مرّة). ثمّ تقول : السَّلام عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ وَعلَى الأرواحِ الّتي حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك عَلَيْكَ مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهْدِ مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ ، أهْلَ البَيتِ السَّلام عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَينِ الذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُم دُونَ الحُسين ( يقول ذلك مائة مرّة ). ثمّ تقول : اللهمَّ خُصَّ أنْتَ أوّلَ ظالم بِاللّعْنِ مِنِّي ، وَابْدَأْ بِهِ أوّلاً ، ثُمَّ الثَّانِي ، وَالثَّالِثَ وَالرَّابِع ، اللهُمَّ الْعَنْ يزِيَدَ خامِساً ، وَالْعَنْ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَاد وَابْنَ مَرْجانَةَ وَعُمَرَ بْنَ سَعْد وَشِمْراً وَآلَ أبي سُفْيانَ وَآلَ زِيَاد وآلَ مَرْوانَ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ. ثم تسجد وتقول : اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرينَ لَكَ عَلَى مُصابِهِمْ ، الحَمْدُ للهِ عَلَى عَظِيمِ رَزِيّتي. اللهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الحُسَيْن عَلَيهِ السَّلام يَوْمَ الوُرُودِ ، وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأصْحابِ الحُسَيْن الّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلام.


"¤©§][§©¤][ إعلانـــات منتديات كوثر الولايــة ][¤©§][§©¤"
   °ˆ~¤®§][ شبكة شبير عليه السلام المرئية ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ دار الحسين للصلوات ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات ملتقى انصار الولاية الحيدرية ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات شباب الحسينية ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ مشروع ختمات قرآنية ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ موقع الصافي السماوي لتصميم المواقع ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات مسلم ابن عقيل عليه السلام ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات حبيبي ياحسين ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ شبكة لواء الصلوات الحسينية والختمة الزينبية  ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات تفاؤل وأمل ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات كوثر الولاية الثقافية ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات عنواني الذوق ][§®¤~ˆ°    °ˆ~¤®§][ منتديات كوثر الولاية الثقافية ][§®¤~ˆ°



{« سفينة النجاة »}

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-12-2011, 10:58 PM   المشاركة رقم: 1
**معلومات العضو**
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية زينب الحوراء

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 217
المشاركات: 2,441 [+]
بمعدل : 1.79 يوميا
اخر زياره : 07-05-2014 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13


الإتصالات
الحالة:
زينب الحوراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

آخر مواضيعي
المنتدى : {« سفينة النجاة »}
Stqou 0098d18cbe بحر من الأخلاق و العطاء والطيبة والقوة هؤلاء هم أهل بيت النبوة


الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام
أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، إبن عم الرسول الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله، وأول من لبَّى دعوته واعتنق
دينه، وصلّى معه.
هو أفضل هذه الأمة مناقب، وأجمعها سوابق، وأعلمها بالكتاب والسنة،وأكثرها إخلاصاً لله تعالى وعبادة له، وجهاداً في سبيل دينه، فلولا سيفه
لما قام الدين، ولا انهدت صولة الكافرين. نعم، لم تعرف لإنسانية في تاريخها الطويل رجلاً - بعد الرسول الأعظم (ص) أفضل من علي بن ابي طالب ولم يسجّل لإحد من الخلق بعد الرسول
نعم، لم تعرف لإنسانية في تاريخها الطويل رجلاً - بعد الرسول الأعظم (ص) أفضل من علي بن ابي طالب ولم يسجّل لإحد من الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وآله من الفضائل والمناقب والسوابق، ما سجّل لعلي بن ابي طالب، وكيف تحصى مناقب رجل كانت ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، وكيف تعد فضائل رجل اسرّ اولياؤه مناقبه خوفا، وكتمها أعداؤه حقداً، ومع ذلك شاع منها ما ملأ الخافقين، وهو الذي لو اجتمع الناس على حبه - كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله - لما خلق الله النار.


والحديث عن علي بن ابي طالب طويل، لا تسعه المجلدات، ولا تحصيه الأرقام، حتى قال ابن عباس لو أنّ الشجرَ اقلامٌ، والبحرَ مدادٌ، والإنس والجن كتّاب وحسّاب، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.


ولادته:
ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة ولم يولد في البيت الحرام سواه قبله ولا بعده وهي فضيلة خصه الله بها إجلالاً له واعلاءً لرتبته وإظهاراً لتكرمته. وقيل ولد لسنة ثمان وعشرين من عام الفيل، والأول عندنا أصح وكان عليه السلام هاشمياً من هاشميين، وأول من ولده هاشم مرتين (أي من قبل الأب والأم)، فمن جهة الأب فهو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، ومن قبل الأم فهي فاطمة بنت أسد بنت هاشم بن عبد مناف.

عمره :
في عمره الشريف سلام الله عليه: مضى أمير المؤمنين عليه السلام وهو إبن خمس وستين سنة ونزل الوحي وله إثنا عشر سنة وأقام بمكة مع النبي (ص) ثلاث عشر سنة ثم هاجر فأقام معه بالمدينة عشر سنين وأقام بعده ثلاثين سنة وقبض عليه السلام في ليلة الجمعة إحدى وعشرين من شهر رمضان المبارك سنة أربعين من الهجرة وقبره بالغري بمدينة النجف الأشرف في العراق. دفنه الحسن عليه السلام في الغـري، وأخفى قبره مخافة الخوارج ومعاوية، وهو اليوم ينافس السماء سمو ورفعة، على أعتابه يتكدس الذهب، ويتنافس المسلمون في زيارته من جميع العالم الإسلامي.


إمامته :
واختلفت الأمة في إمامته بعد وفاة رسول الله (ص) وقالت شيعته وهم: بنوهاشم كافة وسلمان وعمار وأبوذر والمقداد وخزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبوسعيد الخدري في أمثالهم من أجلة المهاجرين والأنصار: أنه كان الخليفة بعد رسول الله (ص) لما إجتمع له من صفات الفضل والكمال والخصائص التي لم تكن في غيره من سبقه إلى الإسلام ومعرفته بالأحكام وحسن بلائه في الجهاد و بلوغه الغاية القصوى في الزهد والورع والصلاح وما كان له حق القربى ثم للنص الوارد في القرآن وهو قوله تعالى: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )، والولاية كانت ثابته له عليه السلام بنص القرآن وبقول النبي (ص) يوم الدار وقوله في غديرخم، فكانت إمامته عليه السلام بعد النبي ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وأشهر ممنوعاً من التصرف آخذاً بالتقية والمداراة محلاً عن مورد الخلافة قليل الأنصار كما قال نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةفطفقت أرتأى بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء ) ومنها خمس سنين وأشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين مضطهداً بفتن الضالين واجداً من العناء ما وجده رسول الله (ص) ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها حائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع الدفاع عن المؤمنين.


ألقابه :
وفي كناه وألقابه عليه السلام : أبا الحسنين وأبا الريحانتين أبا تراب أميرالمؤمنين ويعسوب الدين ومبيد الشرك والمشركين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومولى المؤمنين وشبيه هارون والمرتضى ونفس الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول وأبوالسبطين وأمير البررة وقاتل الفجرة وقسيم الجنة والنار وصاحب اللواء وسيد العرب وخاصف النعل وكشاف الكرب والصديق الأكبر وذوالقرنين والهادي والفاروق الأعظم والداعي والشاهد وباب المدينة وغرة المهاجرين وصفوة الهاشميين والكرار غير الفرار صنو جعفر الطيار رجل الكتيبة والكتاب وراد المعضلات وأبو الأرامل والأيتام وهازم الأحزاب وقاصم الأصلاب قتال الألوف ومذل الأعداء ومعزالأولياء وأخطب الخطباء وقدوة أهل الكساء وإمام الأئمة الأتقياء والشهيد أبوالشهداء وأشهر أهل البطحاء ومثكل أمهات الكفرة ومفلق هامات الفجرة والحيدرة ومميت البدعة ومحيي السنة وسيد العرب وموضع العجب ووارث علم الرسالة والنبوة وليث الغابة والحصن الحصين والخليفة الأمين والعروة الوثقى وابن عم المصطفى وغيث الورى ومصباح الدجى والضرغام والوصي الولي والهاشمي المكي المدني الأبطحي الطالبي والرضي المرضي وهذا قليل من كثير.

أصحابه :
أصحابه وممن بايعه بغير ارتياب بالإجماع والإتفاق: من المهاجرين: عمار بن ياسر - الحصين بن حارث بن عبدالمطلب - الطفيل بن الحارث - مسطح بن اثاثة - جهجاه بن سعيد الغفاري - عبدالرحمن بن حنبل الجمحي - عبدالله و محمد إبنا بديل الخزاعي - الحارث بن عوف - البراء بن عازب - زيد بن صوحان - يزيد بن نويرة - هاشم بن عتبه المرقال - بريدة الأسلمي - عمرو بن الحمق الخزاعي - الحارث بن سراقة - أبوأسيد بن ربيعة - مسعود بن أبي عمر - عبدالله بن عقيل - عمرو بن محصن - عدي بن حاتم - عقبة بن عامر - حجر بن عدي الكندي - شداد بن اوس .
ومن الأنصار: أبو أيوب خالد بن زيد - خزيمة بن ثابت - أبو الهيثم بن التيهان - أبوسعيد الخدري - عبادة بن الصامت - سهل وعثمان إبنا حنيف - أبو عياش الزرقي - سعيد وقيس إبنا سعد بن عبادة - زيد بن أرقم - جابر بن عبدالله بن حرام - مسعود بن أسلم - عامر بن أجبل - سهل بن سعيد - النعمان بن عجلان - سعد بن زياد - رفاعة بن سعد - مخلد وخالد إبنا أبي خالد - ضرار بن الصامت - مسعود بن قيس - عمرو بن بلال - عمارة بن أوس - مرة الساعدي - رفاعة بن رافع الزرقي - جبلة بن عمرو الساعدي - عمرو بن حزم - سهل بن سعد الساعدي .
بنو هاشم : الحسن والحسين عليهما السلام - محمد بن الحنفية - عبدالله و محمد وعون أبناء جعفر - عبدالله بن عباس - الفضل وقثم وعبيدالله أبناء عباس بن عبدالمطلب - عتبة بن أبي لهب - عبدالله بن الزبير بن عبد المطلب - عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث .
بني هاشم وسائر الشيعة: محمد بن أبي بكر - محمد بن أبي حذيفة - مالك بن الحارث الأشتر - ثابت بن قيس - كميل بن زياد - صعصعة بن صوحان العبدي - عمرو بن زرارة النخعي - عبد الله بن الأرقم - زيد بن الملفق - سليمان بن صرد الخزاعي - قبيصة بن جابر - أويس القرني - هند الجملي - جندب الأزدي - الأشعث بن سوار - حكيم بن جبلة - رشيد الهجري - معقل بن قيس بن حنظلة - سويد بن الحارث - سعد بن مبشر - عبدالله بن وال - مالك بن ضمرة - الحارث الهمداني - حبة بن جوين العرني رحمهم الله جميعاً.


أبوه :
أبوه هو أبي طالب عليه السلام واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب واسم عبدالمطلب شيبة الحمد وكنيته أبو الحارث وكان ولد أبي طالب طالباً ولاعقب له وعقيلاً وجعفراً وعلياً كل واحد أسن من الآخر بعشر سنين.

أمه :
أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وكانت من رسول الله (ص) بمنزلة الأم، ربته في حجرها وكانت من السابقات إلى الإيمان وهاجرت معه إلى المدينة المنورة، وكفنها النبي (ص) بقميصه ليدرأ به عنها هوام الأرض، وتوسد في قبرها لتأمن بذلك ضغطة القبر ولقنها الإقرار بولاية إبنها كما اشتهرت الرواية.


زوجاته :
أما في ذكر زوجاته(عليهم السلام) فهي فاطمة بنت محمد الرسول الأكرم (ص) سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ومن المناقب عن عبدالله بن مسعود عنه قال: قال رسول الله (ص) يا فاطمة زوجتك سيداً في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين أنه لما أراد الله عز وجل أن أملكك من علي أمر الله جبرائيل فقام في السماء الرابعة فصف الملائكة صفوفاً ثم خطب عليهم فزوجك من علي (ع) ثم أمر الله شجر الجنان فحملت الحلي والحلل ثم أمرها فنثرت على الملائكة فمن أخذ منها شيئا أكثر مما أخذ غيره افتخر به إلى يوم القيامة، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حزام بن الوحيد بن كعب بن عامر، وتزوج أيضا ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتزوج أيضا أسماء بنت عميس الخثعمية، وتزوج أيضا الصهباء بنت زمعة بن ربيعة بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعيد، وأيضا تزوج عليه السلام من أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، - وأمها زينب بنت رسول الله (ص) - وتزوج أيضا خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن يربوع، وأيضا تزوج من أم سعيد بنت عروة بن مسعود، وتزوج أيضا محياة بنت امرئ القيس بن عدي وأفضلهن فاطمة البتول بنت محمد (ص).


إخوته: طالب ، عقيل ، جعفر
أخواته: أم هاني ، جمانة

أولاده :
أما أولاده عليه السلام، فالحسن والحسين عليهما السلام سيدا شباب أهل الجنة أولاده من فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين
أيضا له منها عليها السلام زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وله عليه السلام أيضا العباس وجعفر وعبدالله وعثمان وهم من زوجته أم البنين أستشهدوا مع إبنه الحسين الشهيد في واقعة الطف بكربلاء. وله أيضا عليه السلام عبدالله وأبا بكر من زوجته ليلى بنت مسعود أستشهدوا أيضا مع الحسين عليه السلام في كربلاء، وله أيضا يحيى ومحمد الأصغر من أسماء بنت عميس ولا عقب لهما، وله أيضا عليه السلام عمر ورقية من الصهباء بنت زمعة، وله أيضا محمد الأوسط من أمامة بنت أبي العاص، وله أيضا محمد بن الحنفية من خولة بنت جعفر، وله أيضا عليه السلام أم الحسن ورملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة بن مسعود وله ايضا عليه السلام بنات من أمهات شتى منهن أم هاني وميمونة وزينب الصغرى وأم كلثوم وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة وهؤلاء أمهاتهن أمهات أولاد. .












توقيع :




سأظلُ أمشِي وَ الحنينُ يَدُلُنِي . .

وَ فُراتُ رُمشِي بِ الخشُوع يَبُلُنِي . .
لا تسَألُوا سَفَريِ لأيَن
وَ الشوقُ موطِنهُ الحُسَين
هُو مَن دعَانِي خَادِمي حَياكَ لِي
فَ أجبتُه آتٍ فِداكَ أبَا عَلِي ♥



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور زينب الحوراء   رد مع اقتباس
قديم 07-12-2011, 11:05 PM   المشاركة رقم: 2
**معلومات العضو**
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية زينب الحوراء

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 217
المشاركات: 2,441 [+]
بمعدل : 1.79 يوميا
اخر زياره : 07-05-2014 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13


الإتصالات
الحالة:
زينب الحوراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

آخر مواضيعي
كاتب الموضوع : زينب الحوراء المنتدى : {« سفينة النجاة »}
افتراضي رد: بحر من الأخلاق و العطاء والطيبة والقوة هؤلاء هم أهل بيت النبوة

تابع : الأمام علي عليه السلام
صفته


كان عليه السلام ربع القامة، أزج الحاجبين، أدعج العينين أنجل، حسن الوجه كأن وجهه القمر ليلة البدر حسناً، وهو الى السمرة، أغيد كأن عنقه إبريق فضة، وهو أرقب، أقرى الظهر، عريض الصدر، محض المتن، شثن الكفين، ضخم الكسور، لا يبين عضده من ساعده قد اُدمجت إدماجاً، عبل الذراعين، عريض المنكبين، عظيم المشاشين كمشاش السبع الضاري، له لحية قد زانت صدره، غليظ العضلات، خمش الساقين.



خصائصه
أ - ولد في الكعبة ولم يولد بها أحد قبله ولا بعده.ب - آخى رسول الله (ص) بينه وبين علي لما آخى بين المسلمين.ج - حامل لواء الرسول صلى الله عليه وآله.د - أمَّره رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض سراياه ولم يجعل عليه أميراً.
هـ - بـُلـّغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله سورة براءة.

بيعته


بويع له بالخلافة في الثامن عشر من ذي الحجة في السنة العاشرة من الهجرة في غدير خم بأمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، واستلم الحكم في ذي الحجة في السنة الخامسة والثلاثين من الهجرة.

عاصمته: الـكـوفة.شــاعره: النجاشي، الأعور الشني.نقش خاتمه: الله الملك وعلي عبده.حروبه: الجمل ، صفين ، النهروان.رايته:راية رسول الله صلى الله عليه وآله.آثاره: نهج البلاغة.بوابه: سلمان الفارسي.كاتبه: عبدالله بن أبي رافع.

مجمع الفضائل

لم تعرف الدنيا رجلاً جمع الفضائل ومكارم الأخلاق بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله - كالإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقد سبق الأولين، وأعجز الآخرين، ففضائله عليه السلام أكثر من أن تحصى، ومناقبه أبعد من أن تتناهى، وكيف تعد مناقب رجل قال فيه الرسول الأعظم (ص) يوم برز لعمرو بن عبدود العامري: برز الإيمان كله إلى الشرك كله، وقال فيه بعد ما قتله: ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين...

في القرآن الكريم


نزل في علي عليه السلام من القرآن الكريم ما لم ينزل في غيره، وهاهي كتب التفسير والسير والتاريخ مستفيضة بذكر الآيات الواردة فيه عليه السلام. قال عبد الله بن عباس: نزل في علي ثلاثمائة آية. ونقتصرعلى خمس آيات مما نزل فيه عليه أفضل الصلاة والسلام:
1- قوله تعالى:{ الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( سورة البقرة آيه 274)
2- قوله تعالى:{ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }( سورة المائدة آية 55)
3- قوله تعالى:{ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن أمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين }( سورة التوبة آية 19)
4 - قوله تعالى:{إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً}( سورة مريم آية 96) 5 - قوله تعالى:{ والذي جاء بالصدق وصدّق بهأولئك هم المتقون }( سورة الزمر آية 33)

في أحاديث الرسول (ص)

لم يزل الرسول الأعظم (ص) منذ بعثته وحتى وفاته يشيد بأمير المؤمنين عليه السلام في كل ناد ومجمع، ومنتدى ومحفل، ولا يمكن إحصاء ما جاء من أحاديث الرسول الأعظم (ص) في الإمام عليه السلام، وليس من كتاب يتعرض للحديث أو للسيرة إلاّ وبين دفتيه أحاديث جمّة في فضل أميرالمؤمنين عليه السلام، وقد عقد أرباب الصحاح، وعلماء الحديث فصولاً في كتبهم فيما جاء في فضله عليه السلام، وقد أفرد جمع كبير من علماء المسلمين كتباً مستقلة في فضائله عليه السلام، وتدوين ما ورد فيه من سيد المرسلين (ص)، وتمشياً مع هذا المختصر فقد سجلنا خمسة أحاديث في فضله عليه السلام:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(علي مع الحق والحق مع علي)

2- قال عمر بن الخطاب: (أشهد على رسول الله (ص) لسمعته يقول: إن السموات السبع، والأرضين السبع، لو وضعا في كفة ثم وضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي بن أبي طالب).
3- في صحيحي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص: قال: ( إن رسول الله (ص) خلف علي رضي الله عنه في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان ؟ قال (ص): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
4- عن أنسٍ قال: ( كنت عند النبي (ص) فرأى علياً مقبلاً فقال: أنا وهذا حجة على أمتي يوم القيامة).
5- لما خطب رسول الله (ص) خطبته المعروفة في فضل شهر رمضان المبارك ، قام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل. ثم بكى. فقال عليه السلام: يا رسول الله ما يبكيك ؟ فقال: يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك وقد إنبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك، فخضب منها لحيتك. قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ قال (ص): في سلامة من دينك، ثم قال: يا علي من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبك فقد سبني، لأنك مني كنفسي، روحك من روحي، وطينتك من طينتي؛ إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك، وإصطفاني وإياك، واختارني للنبوة، واختارك للإمامة فمن أنكر أمامتك فقد أنكر نبوتي؛ يا علي أنت وصيي، وأبو ولدي، وزوج إبنتي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد موتي، أمرك أمري، ونهيك نهيي: أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية إنك لحجة الله على خلقه، وأمينه على سره وخليفته على عباده...

سـيرته

كان لسيرة الرسول الأعظم (ص) وأخلاقه الأثر الكبير في نشر الإسلام، ويحدثنا التاريخ عن إسلام كثير من العرب متأثرين بأخلاقه (ص) وقد مدحه جل شأنه فقال:
{ وإنك لعلى خلق عظيم}. وقال تعالى:{ ولو كنت فظا غليظ القلبلانفضوا من حولك}، كما أن الجوانب الأخرى من سيرته (ص): صدقه، أمانته، عطفه، تواضعه، كرمه، شجاعته... كانت المثل الأعلى والذروة في الفضائل والمكارم.
وعلى نهج رسول الله (ص) سار إبن عمه أمير المؤمنين عليه السلام، فكانت سيرته الغراء إمتدادا لسيرة الرسول الأعظم (ص)، ونسخة طبق الأصل من أخلاقه، وما أحوج الأمة اليوم إلى تبني هذه السيرة، والتخلق بهذه الأخلاق، والسير على هداها، لنحقق آمالنا في السعادة والرخاء...


كــلامــه


لم يدون لأحد من الصحابة والخلفاء ما دون له عليه السلام من الخطب والمواعظ والكتب والوصايا والحكم، وهذا نهج البلاغة يطأطئ له البلغاء إعظاماً، وينحني له الفصحاء إجلالاً، وهو مفخرة لكل مسلم، وعز لكل موحد، وهو بعد هذا وذاك دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوق.

قال إبن الحديد: وانظر كلام أمير المؤمنين عليه السلام فإنك تجده مشتقاً من ألفاظه - أي القرآن الكريم - ومقتضباً من معانيه ومذاهبه، ومحذواً بحذوه، ومسلوكاً به في منهاجه، فهو وإن لم يكن له نظيراً ولا نداً، يصلح أن يقال: إنه ليس بعده كلام أفصح منه ولا أجزل ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل، إلا أن يكون كلام ابن عمه عليه السلام. وهذا أمر لا يعلمه إلا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة، وليس كل الناس يصلح لانتقاء الجوهر، بل ولا لانتقاء الذهب...



حِكَمـُــه

لا يمكن حصر ما جاء من كلماته عليه السلام القصار، فقد ورد منها ما يناهز الخمسمائة كلمة، وطبع الأديب اللبناني أمين الريجاني مائة كلمة له عليه السلام في كتاب مستقل، وطبعت ألف كلمة من كلماته عليه السلام في كتاب خاص، وجمع آخرون ألفي كلمة له عليه السلام وطبعوها مؤخراً.
وهذه الكلمات القصار تحوي من الأخلاق والعرفان والآداب والعلوم ما لا تحويه مطولات الآخرين، وفيها البلسم الناجع لأمراضنا الخلقية، والترياق المجرب لمشاكلنا الإجتماعية، وقد تسنى لنا تسجيل خمساً وعشرين كلمة منها:

قــال عـليه الســـلام:

1- إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.
2- من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه
.3- من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب
.4- يا ابن آدم إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمته وأنت تعصيه فاحذر
.5- إذا كنت في إدبار، والموت في إقبال، فما أسرع الملتقى
.6- اللسان سبع إن خلي عنه عقر
.7- عجبت لمن يقنط ومعه الإستغفار
.8- من أصلح بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.
9- عِظم الخالق عندك، يُصغر المخلوق في عينك
.10- يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم.
11- لا طاعة لمخلوق في معصية الله
.12- لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه.
13- من وضع نفسه مواضع التهمة، فلا يلومن من أساء به الظن.14- من أحدّ سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل
.15- بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد
.16- إتق الله بعض التقى وإن قل، واجعل بينك وبين الله ستراً وإن رق.
17- إنّ لله في كل نعمة حقاً، فمن أدّاه زاده منها، ومن قصّر عنه خاطر بزوال نعمته.
18- أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه
.19- مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة
.20- يا ابن آدم كن وصي نفسك في مالك، واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من بعدك.
21- إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة
.22- ما زنى غيور قط
.23- إتقوا معاصي الله في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم
.24- أشد الذنوب ما استهان به صاحبه.

25- العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنى.


أجوبته

طالما كانت ترد على الإمام عليه السلام أسئلة محرجة فيجيب عليها بالبداهة، ويفصل أجوبتها باللحظة، وربما وردت أسئلة من علماء النصارى، ومشيخة أهل الكتاب، توارثوها صاغراً عن كابر، على من تقدمه فيعجز عنها، ويسأل المسلمين فلا يهتدون إليها، فيرجعون إليه عليه السلام ، فهو المفزع في المهمات ، والملجأ عند الشدائد...


قضاؤه

طالما رفعت إليه مشاكل عجز عنها القضاء، وحار فيها الفكر، ووقف دونها العقل، فيرجع إليه بها فهو المفزع والملجأ، وعنده فصل الخطاب، والحكم الفصل. ولا غرو أن يكون كذلك وقد قال فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: أقضاكم علي، وذكر ابن سعد وبقية الجمهور عن علي عليه السلام قال: بعثني رسول الله (ص) الى اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء.
فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم اهد قلبه، وثـبـّت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين



أدعيته القصار..

مما اختص به أئمتنا عليهم السلام هو الدعاء، وهي مزية لم يشاركوا فيها، وكرامة خصصوا بها.
قال الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل: ولم يكن أحد أقدر على هذه الصناعة - صناعة الدعاء - من أهل البيت وحسبهم الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين، فهي زبور آل محمد، ودائرة علم كبرى، ومجموعة معارف وأخلاق، وموسوعة فريدة في العرفان والالهيات.
وقد تصدى لجمع أدعيتهم عليهم السلام مئات العلماء فجاءت في مصنفات كثيرة مضافا الى ماحوته كتب السير والتراجم.
وبين أيدينا (الصحيفة العلوية المباركة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام) تأليف عبد الله بن صالح السماهيجي، جمع فيها ما وصل اليه من أدعيته عليه السلام.
ويعكف الأستاذ علي اللبان - النجف - على جمع وتحقيق أدعية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد جمع مجلدا كبيرا نامل أن يخرج قريباً إن شاء الله...




إستجابة دعائه..

وهذه الكرامة - إستجابة الدعاء - وردت لأئـمة أهل البيت عليهم السلام، فجل من ترجم لهم نص على بعض الحوادث التي دعوا الله تعالى فيها، واستجابة دعائهم عليهم السلام. ولا غرو في ذلك فقد ضمن الله تعالى الإستجابة لعباده المؤمنين، فقال: (ادعوني أستجب لكم) فكيف بأئمة المؤمنين، وسادة المسلمين...

شـعـــره

عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة. وبين أيدينا دواوين كثيرة له عليه السلام تحتوي على صنوف الشعر الجيد، والنظم الرائع، والدر النضيد.
ولو تصفحنا هذه الدواوين لوجدنا جل ما فيها في الأدب والأخلاق والكمال والعرفان، فكم من نظم له عليه السلام في مدح الصدق، وذم الكذب، وتحسين الحسن، وتقبيح القبيح، والأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الظلم والعدوان، والصفح عن المسيىء، والعفو عند المقدرة وهكذا بقية مكارم الأخلاق...



صدقاته وموقوفاته..

في كل جانب من حياة الإمام عليه السلام تجد العظمة في منتهاها، والرفعة في ذراها ، فهو المثل الأعلى في العبادة والدعاء والإخلاص والجهاد والأخلاق والكرم وكثرة الصدقات، إلى غير ذلك من الفضائل والمناقب التي لا تعد ولا تحصى. والحديث عن صدقاته عليه السلام وأوقافه التي جعلها لله تعالى، حديث طويل يتناسب وسمو مقامه، ورفعة شأنه، فهو الذي كان يملك أربعة دراهم تصدق بدرهم منها ليلاً، وبدرهم نهارا، وبدرهم سراً، وبدرهم علانيةً ، فانزل الله تعالى فيه:
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً } وهو الذي تصدق في ركوعه بخاتمه فنزل فيه قوله تعالى:{ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }...



كلمات الصحابة والتابعين..

من المعيب أن نستدل على فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بأقوال الصحابة والتابعين، وهم لولا جهاده وآثاره لكانوا في طي النسيان، وعالم الإهمال، وما قيمة ما ذكروه بعد قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله له: يا علي لا يعرفك إلا الله وأنا، وناهيك بهذا شرفاً وفخراً.
نعم، إيراد كلمات هؤلاء الأعلام تعطينا صورة صادقة عن إكبار المُخـَالفْ والمؤالفْ لعلي بن أبي طالب، وهيام الجميع بحبه، وحفظهم لفضائله.
وقد استغنينا بكلمات الصحابة والتابعين عن إيراد كلمات العلماء العظام لكثرتها، فهي فوق الحصر، فلا يوجد كتاب في التاريخ الإسلامي أو التراجم والسير، إلا واسم علي بن أبي طالب يلمع في كل فصل من فصوله، ولم يترجم أحد للخالدين إلا وصدره بإسم علي بن أبي طالب...

قاتل امير المؤمنين (رضى الله عنه)
أجتمع ثلاثه من الخوارج وهم : عبد الله بن الملجم المرادى وعمرو بن بكير التميمى والبرك بن عبد الله التميمى .

وقال بن الملجم : انا اكفيكم عليا
وقال البرك : انا اكفيكم معاويه
وقال عمرو بن بكير : انا اكفيكم عمرو بن العاص
وتعاهدوا ان لا فرار وسحبوا سيوفا مسمومه , ونفذ ابن الملجم وصيته بنجاح ..............


وصية الوفاه..

فلما حضرته الوفاه اوصى فكانت وصيته:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ماأوصى به على بن ابى طالب , اوصى أنه يشهد أن لا اله الاالله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله , أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون , ثم ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العلمين , لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين ,
ثم أوصيك ياحسن وجميع ولدى وأهلى بتقوه الله ربكم , ولا تموتن اٍلا وأنتم مسلمون , واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..

أنظروا اٍلى ذوى أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب
الله الله فى الايتام فلا تعنوا افواههم ولايضيعن بحضرتكم والله الله فى جيرانكم , فاٍنهم وصية نبيكم (صلى الله عليه وسلم) مازال يوصى به حتى ظننا انه سيورثه , والله الله فى القرأن , فلا يسبقنكم اٍلى العمل به غيركم , والله الله فى الصلاه فاٍنها عمود دينكم والله الله فى بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم فاٍنه ان ترك لم يناظر , والله الله فى الجهاد فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم , والله الله فى الزكاه , فاٍنها تطفىء غضب الرب , والله الله فى ذمة نبيكم , فلا يظلمن بين أظهركم , والله الله فى أصحاب نبيكم , فاٍن رسول الله اوصى بهم , والله الله فى الفقراء والمساكين فأشركوهم فى معايشكم , والله الله فى ما ملكت أيمانكم .
الصلاه الصلاه , لا تخافن فى الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله , ولاتتركوا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولى الامر شراركم , ثم تدعون فلا يستجاب لكم .
وعليكم بالتواصل والتباذل , واٍياكم والتدابر والتقاطع والتفرق , وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان , وأتقوا الله اٍن الله شديد العقاب
حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم . أستودعكم الله , وأقرأعليكم السلام ورحمة الله ...........
خصائص الإدارة عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي(عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية؛ إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الادارة؛ أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ لهذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة.
إستناداً إلى هذه الرؤية الشمولية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فانّ الادارة هي كيانٌ حيّ ينبض بالحياة فهي متصفة بالصفة الانسانية والصفة التنظيمية والصفة الجماعية والصفة الهدفية.
فهي إذن كيانٌ إجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. وسنأتي على توضيح أهم تلك الصفات فيما يأتي:
أولاً: الصفة الإنسانية
يمتاز فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالتناسق والتعاضد لأنّ رؤيته للحياة رؤية شاملة لكل أبعادها وأركانها وأجزائها.
فالاقتصاد متداخل مع السياسة وهما يعتمدان على الإدارة، فإذا ما تتبعنا حلقات فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) لوجدنا أنها تستمد مِن رؤيته الثابتة عن الإنسان، طبيعته، وأساليب رقيه، مشاكله وكيفية مواجهته لها، فكان لابُدَّ مِن عرض رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الإنسان قبل أن نستعرض نظريته في الإدارة. ذلك لأنّ الإدارة في المنظور الإسلامي ليست أدوات صماء، بل هي تقوم على أكتاف البشر، والبشر فيهم عوامل قوة وعوامل ضعف. وبقدر تفعيل عوامل الخير وتحريك الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الإدارة الجيدة.
فالمدير الجيد هو الذي يعرف طبيعة الناس الذين يتعامل معهم، ويعلم ما الذي يُحركهم؟ وماذا يثبّط عزائمهم؟ يعرف متى يتقدمون ومتى يتأخرون؟ وما مِن نظرية إدارية إلاّ وهي قائمة عَلى رؤية أصحاب هذه النظرية إلى الإنسان، فالرأسمالية الاحتكارية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مِن اللحم الصماء تتعامل معه بطريقة خاصة تقوم على هذه الرؤية، فهي لا تُعير أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية.
إذن النظرية الإدارية المتكاملة هي التي تبدأ أولاً بالإنسان.. ماهيته، وممّ يتكون، وكيف يتعامل مع الحياة؟ وماهي مشاكله وكيف يتقدم؟ وماهو السبيل إلى توجيهه الوجهة الصحيحة؟.
ماهو الإنسان وكيف خُلق؟
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) في وصفه لخلق الإنسان: ثم جَمَعَ سُبحانه مِنْ حَزْنِ الأرْضِ وسَهْلِها، وعَذْبِهَا وسَبَخ`ها تُربةً سنّهَا بالمَاء حتى خَلَصَتْ، ولا طهَا بالبَلَّةِ حتى لَزَبَتْ، فجَبلَ مِنْها صُورةً ذاتَ أحْنَاء ووصُولٍ، وأعضاءٍ وفُصُولٍ: أجْمَدَهَا حتى استَمْسَكَتْ، وأصْلَدَها حتى صَلْصَلتْ لِوقتٍ معدودٍ، وأمدٍ مَعْلُوم،ثُمَّ نَفَخَ فيها مِنْ روحِهِ فمَثُلَتْ إنساناً ذا أَذهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يتصَرَّفُ بِها، وجَوارِحَ يخْتَدِمُها، وأدوات يُقلِّبُها، ومَعْرفةٍ يَفْرُقُ بها بَين الحقِّ والباطِلِ، والأذواقِ والمشَامِّ والألوان والأجنَاس، معجوناً بِطينةِ الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضدادِ المتعادية، والأخْلاطِ المتباينة، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، والبَلَّةِ والجُمُود [1]ِ.
فالإنسان هو قبضة مِن طين الأرض مِن السهل والسبخ، ونفخةٌ مِن روح الله، وهذه النفخة هي التي جعلت منه إنساناً، هي التي منحته القدرة على التفكير والقدرة على الحركة والقدرة على التمييز، فأخذ يُفكر لحياته وحياة أبنائه، وأخذ يتحرك مِن وحي تلك الفكرة التي توصل إليها، وأخذ يُميّز الحق عن الباطل.
ولولا تلك النفخة العِلويّة لظلت أطرافه بلا حركة، ولظلّ لسانه بلا إحساس للأذواق، ولظل أنفه غير قادر على تحسس الروائح، ولظلت عينهُ غير قادرة على تمييز الألوان.
إذن الإنسان هو روحٌ وجسد، فالروح هي مِن آثار تلك النفخة العلوية والجسد مِن الطين الذي صُنع منه كل البشر، وإلى هذا المعنى يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في قوله عَن أولياء الله: وصَحبُوا الدُّنيا بأبْدانٍ أرْواحَها مُعلَّقة بالمحلِّ الأعلى [2].
فهي معلقة بالمحل الأعلى لأنها في الأصل مستمدة مِن تلك النفخة العلوية أمّا الأبدان فهي ليست إلاّ أوعية للأرواح.
الإنسان عقلٌ وهوى
وينشأ عن هذه النفخة نورٌ يهتدي به الإنسان طريقه في الحياة وهذا النور هو العقل.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الإنسان بعقله [3]. ويقول: العقل فضيلة الإنسان [4].
ومنتهى كمال الإنسان عندما يكتمل عنده العقل، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): كمال الإنسان العقل [5] ويقول أيضا: إن أغنى الغنى العقل [6] ويقول أيضاً: لاغنى كالعقل [7].
وكان مِن مسؤولية الإنسان أن يُنشط عقله، ففي وصفه(عليه السلام) للسالك إلى الله؛ قد أحيا عقله، وأمات نفسه [8].
وعندما يزول العقل يتحوّل الإنسان إلى جسدٍ ميت: أيها القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم [9].
ويضرب الإمام لنا مثلاً مُجسداً عن أهمية العقل في توجيه الإنسان، يقول الإمام لمعاوية بن أبي سفيان؛ يا معاوية لئن نظرت بعقلك.. لتجدني أبرأ الناس... [10].
وإذا غاب العقل إستولى مكانه الهوى، يقول الإمام: آفة العقل الهوى [11]. ولا عقل مع الهوى [12].
ويقول عن معاوية: قد دعاه الهوى فأجابه [13]. وهذا هو الشقي؛ الشقي في الدنيا، وهو شقيٌّ لنفسه ولغيره أيضاً: والشقي من انخدع لهواه وغروره [14]. وأكثر فتن التاريخ مصدرها إتباع الحكام لأهوائهم. يقول الامام أميرالمؤمنين: إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع [15].
ويُفسِّر الإمام الانحراف التاريخي الذي أدى إلى إنحراف الناس: هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى [16].
فأين كانت العقول يوم حكمت الأهواء البلاد؟.. إنها كانت أسيرة مثلما كان الدينُ أسيراً.
وكم مِن عقل أسيرٍ تحت هوى أمير [17].
وما هو الحل؟؟ الحل أن يتمرّد العقل على الاغلال وأن يقف بقوة بوجه الهوى مقاتلاً صُلباً.. يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إذا وقع الأمر بفصلِ القضاءِ (وخسر هُنالك المبطلون) شَهِد على ذلك العقل إذا خرج مِن أسرِ الهوى، وسلم مِن علائق الدُّنيا [18].
وهنا العقل سيشهر سيف الوعي ضد ظلام الهوى، ويدخل معه في حرب لا هوادة فيها. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقلُ حُسامٌ قاطِع، فاستر خلَلَ خُلُقك بحِلمكَ، وقاتِلْ هواك بعقلك [19].
فالعقل سيفٌ.. وهو سيفٌ بتّار يقطع كل إنحرافٍ إذا مااستطاع الإنسان حملهُ وشهره.
ولابُدَّ مِن مقاتلة الهوى لأنه العدو الأول الذي يمنع الإنسان عن التقدم، ويدفع به إلى الوراء، ويتركه في الظلام الدامس يلقي مصيرهُ المؤلم. وقد مثّل أميرالمؤمنين(عليه السلام) صراع العقل والهوى بمعركة وقعت بين جيشين فيقول: الهوى قائد جيش الشيطان [20].
فامتلاك العقل ينتج عن مخالفة الهوى. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مخالفة الهوى شفاءُ العقل [21]. ويقول أيضا: ثمرة العقل مقت الدنيا وقمعُ الهوى [22]. فهناك علاقة متينة بين الهوى وحب الدنيا. ومنشأ هذه العلاقة: مَن أطاعَ هواه باع آخرته بدُنياه [23]. إذن العقل والهوى في حالة معاكسة دائماً.
طاعة الهوى تُفسد العقل [24].
الهوى عدو العقل [25].
الهوى ضد العقل [26].
فهما لا يجتمعان في إنسان أبداً، بل هما في صراع دائم حتى يتغلب أحدهما على الآخر. لذا خاطب أميرالمؤمنين(عليه السلام) أصحابه قائلاً لهم:
إياكم وتمكن الهوى منكم [27].
ويقول أيضاً: إسترشد العقل وخالف الهوى تنج [28].
وتترى التعليمات والوصايا..
إملك عليك هواك [29].
إنك إن أطعت هواك أصمّك وأعماك [30].
قاتل هواك بعقلك تملك رُشدك [31].
ثم يقول: قاتل هواك بعلمك [32] لأنّ العلم هو ثمرة العقل، فالإمام يضع الإنسان أمام أقسى عدو لايمكن السكوت حياله.
هواك أعدى عليك من كل عدو فاغلبهُ وإلاّ أهلكك [33]. وأمام دغدغات الهوى التي تسابقه إلى عمل المنكرات، عليه أنْ يسوِّف الهوى، ولا يتعجل في تنفيذ رغباته لأنّ فيه الهلاك، يقول الإمام: كن لعقلك مُسعِفاً ولهواك مسوّفاً [34].
مصدر الفضائل والرذائل
يعتبر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقل مصدر كل الفضائل:
العقل فضيلة الإنسان [35].
العقل ينبوع الخير [36].
العلم مصباح العقل وينبوع الفضل [37].
ولما كان العقل هو أصل العلم كما ورد في كلام الإمام [38].فهو ينبوع الفضل أيضاً.
والأدب أحد الفضائل المهمة في الإنسان وأساسه العقل.
الأدب في الإنسان كشجرة أصلها العقل [39].
والتواضع أحد الفضائل وهو رأس العقل كما ورد في الغرر [40].
والسخاء وهو أحد الفضائل أيضاً ثمرة العقل كما في الغرر [41].
والحلم أحد الفضائل وهو الآخر ناتج عن وفور العقل: بوفور العقل يتوفر الحلم [42].
والعلاقة بين العدل والعقل علاقة وطيدة تُبينها هذه العبارة الرائعة: من علامات العقل العمل بسنة العدل [43].
والحكمة هي عصارة الفضائل منبعها العقل يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): بالعقل يُستخرج غور الحكمة [44].
والإعتبار بالأحداث وهو أحد الفضائل أساسه أيضاً العقل: من قوى عقله أكثر الاعتبار [45].
والمروءة هي إحدى الفضائل التي يتبارى على التمسك بها الرجال وهي تستند أيضاً إلى العقل: مروءة الرجل على قدر عقله [46].
والفكر هو الآخر مِن مكتسبات العقل يقول الامام: الفكر جلاء العقول [47].
فالفكر، الأدب، العلم، التواضع، الحلم، السخاء، العدل، الحكمة، الاعتبار، والمروءة كلها فضائل تجدها عند العاقل.
أما الجاهل الذي يتبع هواه فماذا تجد عنده؟
سبب كل المحن؛ الهوى أُسُّ المحن [48].
عامل كل فتنة؛ الهوى مطية الفتنة [49].
سبب الارتباك في الحياة؛ لاتتبع الهوى؛ فمن تبع هواه إرتبك [50].
سبب الهلاك؛ مَن أطاع هواه هلك [51].
سبب الزلل؛ مَن ركب هواه زلّ [52].
سبب لفساد النفس؛ فساد النفس الهوى [53].
سبب عدم الاخلاص؛ كيف يستطيع الاخلاص مَن يغلبه الهوى [54].
سبب الضلال؛ مَن ملكه هواه ضل [55].
سبب العمى والصمم والذُّل؛ مَن اتبع هواه أعماه وأصمه وأذله وأضله [56].
سبب الظُلم؛ مَن نظَر بعين هواه إفتتن وجارَ [57].
الدنيا والآخرة
الدنيا هي ميدان الانسان فهو يستطيع أن يحوّلها إلى منبع للخير، أو مصدر للشرِّ، فعن الذين حولوها إلى ميدان للخير يقول الامام: إن للدُنيا رجالاً لديهم كنوزٌ مذخورةٌ مذمومةٌ عندكُمْ مَدْحُورةٌ، يكشف بِهم الدّين كََشْفِ أحَدِكُمْ رأسَ قِدْرِهِ ويَلُوذونَ كالجرادِ فيُهلِكُون جبابرة البلاد [58].
فهؤلاء الرجال إستفادوا مِن الدنيا وصمموا على الجهاد لاقامة حكم المستضعفين في الأرض. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):
إن الدنيا دارُ صِدقٍ لمن صَدَّقَها، ودارُ عافيةٍ لمَن فَهِمَ عنْها، ودارُ غنى لِمنْ تَزَوَّدَ فِيها، ودارُ موعظةٍ لِمن اتَّعظَ بها [59].
فخيرها متعلق بالموقف منها؛ فهي تكون طوع إرادة من حوّلها إلى الخير، فمن فهمها يعيش فيها بعافية، ومَن تزودَ منها أغنته لأنها تكدّس نِعماً كثيرة يمكن الاستفادة منها. وهي في الوقت ذاته مدرسةٌ لمن أراد الموعظة والعبرة من حوادثها. أما من أرادها للشر فهي طوع يمينه أيضاً.
يقول الامام: إنَّ الدُّنيا يُونِقُ منظَرها ويُوبقُ مخبرها، قد تزينت بالغرور وغرَّتْ بزينتها، دارٌ هانت على ربِّها، فخُلِط حلالُها بحرامِها وخيرُها بشرِّها وحُلْوُها بمُرِّها [60].
أما مظهرها فهي حلوةٌ نضرة حُفّتْ بالشهوات، وهي كالحية ليِّنٌ مَسُّها قاتِلٌ سمُّها.
فهي إذن ميدان للاختيار ودارٌ يمتحن فيها الإنسان فإن وقفَ منها موقف الخير فاز بها، وإذا وقف منها موقف الشر خسرها وخسر كل شيء: الدُّنيا دارُ مِحن، ودارٌ بالبلاء معروفة [61].
فعلى الانسان أن لايرغب فيها رغبة والهٍ، وأن لايجعلها كل همه وأن لايصبو إليها كهدفٍ في حياته، لأنها سريعة التحوُّل، كثيرة التنقُّل، شديدة الغَدْر، دائمة المكر.
لذا جاءت وصية أميرالمؤمنين(عليه السلام): خذ من قليل الدُّنيا مايكفيك [62].
لأنهُ مخلوقٌ لشيءٍ آخر، ولأنها مخلوقةٌ لأمر آخر أيضاً.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أما بعد فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد جعل الدُّنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها، ليعلم ايهم أحسن عملاً، ولسنا للدُّنيا خُلقنا [63].
ففي هذا النص يُبين لنا أميرالمؤمنين(عليه السلام) الهدف من خلق الدُّنيا والهدف مِن خلق الانسان، فالدُّنيا مخلوقة للآخرة، والانسان مخلوقٌ ليمتحنه الله ليعلم حسن عمله عن سيئهِ.
ويوضّح الإمام ذلك بصورة اكثر في هذا النص: إنَّ الدُّنيا لم تُخلق لكم دارَ مُقامٍ وَلا مَحَلّ قرارٍ وإنَّما جُعلت لكُمْ مجازاً لتزوّدُوا منها الأعمال الصالحة لدار القرار، فكونوا فيها على أوْفازٍ ولا تخْدعنكُم منها العاجلةُ، ولا تغُرَّنَّكُم فيها الفتنة [64].
وبعد أن حدّد الله سبحانه وتعالى الهدف من خلق الحياة والانسان ظهر أمامنا موقفان: إنَّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدُّنيا إذا نَظَرَ الناسُ إلى ظاهِرِها، واشتغلوا بأجلها إذا اشتغلَ الناس بعاجلها [65].
فهناك دائماً نمطان مِن البشر؛ نمط يجعل الدُّنيا هدفاً له، فينغمس فيها حتى يغرق، ونمط يجعل الدنيا وسيلة للآخرة.
فماذا عن الآخرة التي خُلقنا مِن أجلها: إنكم إنما خلقتم للآخرة لا للدُنيا وللبقاء لا للفناء [66].
مرارةُ الدُنيا حلاوةُ الآخرة [67].
غايةُ الآخرة البقاء [68].
والآخرة فوزُ السعداء [69].
الدنيا تضرُّ والآخرة تسرُّ [70].
الدنيا أمد الآخرة أبد [71].
فإذا كانت الآخرة حلوة وهي باقية، وتسرُّ، وفيها ينال الانسان سعادته، إذا كانت هكذا؟ فلماذا لايعمل الانسان مِن أجلها؟ فهو عُرضة دائماً لجذب الدُنيا التي تحاول أن تشغلهُ عن الآخرة، فالانسان بين الدنيا والآخرة بين جذبٍ وتنافُر، وقد مَثَّل الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) حيرةُ الإنسان بين الدُنيا والآخرة كحيرة المتزوج بزوجتين، يقول في ذلك: إن مثل الدُّنيا والآخرة كرجُلٍ له امرأتان إذا أرضى إحداهما أسخط الأُخرى [72].
فكيف السبيل إلى غلبة الآخرة على الدُّنيا؟
التقوى
التقوى في تعريفات الشرع: «حِفظُ النفس عما يُؤثِم، وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المُباحات» [73].
ولن تتحقق التقوى إلا بخطة تدريجية،
الخطوة الأولى: يُقلل من يُريد التقوى إهتمامهُ بالدُنيا يقول الامام: خُذ من قليل الدُنيا مايكفيك [74].
الخطوة الثانية: الإكثار من العمل الصالح؛ والعمل الصالح حرثُ الآخرة [75].
ويقول أيضاً: ثقِّلوا موازينكم بالعمل الصالح [76].
الخطوة الثالثة: عقد صفقة تجارية بين الدُّنيا والآخرة، يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): الأعمال في الدُّنيا تجارة الآخرة [77]. أرْبَح الناس من إشترى بالدُنيا الآخرة [78].
وهو يستخدم ماحصل عليه في الدُنيا لشراء الآخرة، ومنه المال، يقول الإمام (عليه السلام): أزكى المال مااشترى به الآخرة [79].وستكون تجارته رابحة لأنه سيربح الدُُّنيا والآخرة معاً.
مَن ابتاع آخرته بدنياه ربحهما [80]
ويقول أيضاً: الرابح من باع الدُنيا بالآخرة [81]. فهو لن يخسر شيئاً عندما يضع هدفه الأول ـ الآخرة ـ يقول في ذلك: مَن أصلح أمرَ آخرته أصلح الله له أمر دُنياه [82]. فالمطلوبُ منه هو التقوى لأنه لم يُخلق عبثاً، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أيها الناس إتقوا الله فما خلق امرؤٌ عبثاً فيلهو ولا يُترك سُدىً فيلغُو [83].
فهذا النص يلخص لنا العلاقة بين التقوى وبين الدُنيا والآخرة، وبينهما وبين الهدف مِن الخلقة.
وهذه النُقلة من حُبّ الدُنيا إلى حُبّ الآخرة هي التقوى: فملاك التقى رفض الدُنيا [84].
فماذا تعني التقوى عند أميرالمؤمنين(عليه السلام)؟
يقول الامام: التقوى اجتناب [85].
وماذا يحصل لو أخذ المؤمن بالتقوى؟
يعدّد الامام نتائج التقوى.
التقوى أزكى زراعة [86].
التقوى رأس الحسنات [87].
التقوى رئيس الأخلاق [88].
التقوى مفتاح الصلاح [89].
التقوى ظاهره شرف الدنيا [هذا في الدُنيا أما في الآخرة] وباطنه شرف الآخرة [90].
المتقون
وصل بنا مسار البحث حول رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الانسان إلى المتقين، فمن هم المتقون؟
يتصف المتقون بهذه الصفات:
الورع؛ الورع شعار الأتقياء [91].
القناعة؛ القناعة علامة الأتقياء [92].
السخاء؛ إن الأتقياء كل سخيّ متعفف محسن [93].
لاطريق للحسد؛ ليس الحسد من خُلق الأتقياء [94].
التزكية؛ المتقون أعمالهم زاكية [95].
ذرف الدموع خشية؛ وأعينهم باكية [96].
الخوف من الله؛ وقلوبهم وجلة [97].
الزهد؛ الزهد شيمة المتقين [98].
سَهرُ الليل؛ سَهَرُ الليل شعار المتقين [99].
ذكر الله؛ ذكر الله شيمةُ المتقين [100].
علامات المتقين..
للمتقي ثلاث علامات: إخلاصُ العمل، وقصرُ الأمل، واغتنام المَهَلِ [101].
فأولاً: إخلاصُ العمل.. ومعناه الصدق أثناء العمل.
ثانياً:قصرُ الأمَل، ومعناه ترجمة عملِه إلى واقع وإلى برنامج زمني مرحلي.
ثالثاً إغتنام المَهَلِ: « والمَهَل هو التؤدة والسُّكُون» [102]. وهي حالة في منتهى الفضيلة لا يبلغها إلاّ مَن ربى نفسه تربية قاسية بحيث لا ينفعل حين وقوع المشكلة ولا يضطرب ولا يقلق عند وقوع حدث ما يستدعي منه التفكير والحل.
وهنانلتقي بموضوع هذه الدراسة، هنا يُصافح مبحث الانسان مبحث الادارة، فالانسان الذي يترقبه أميرالمؤمنين(عليه السلام) وتترقبه الرسالة الاسلامية هو مَن يخلص العمل، ويقصر الأمل ويغتنم المَهَل، وهو الانسان الذي يصلح للعمل الاداري سواء كان مُديراً أو عاملاً.
وهذا الإنسان لم يأت مِن فراغ، فلو تتبعنا عملية بنائه لوجدنا أنه في بداية أمره كان عقلاً وهوىً، فقاتل عقلُه هواه فانتصر عليه عندما عَرف أنَّ الله لم يخلقه للدُّنيا بل خلقهُ للآخرة، وأنه تحت الرقابة الدائمة، لأنه في حالة إمتحانٍ متواصل، إمتحان الوعي والارادة.
فهل استخدم وعيهُ بصورة سليمة؟
هل أنه عرف الغاية من خلقه والغاية مِن خلق الدنيا؟
وهل إنه استخدم إرادته في مكانها؟ هل استخدمه في هدف دنيوي أم أُخروي؟
وعندما تغلَّب عقله على هواه وانتصرت الآخرة على الدنيا (كهدف مطلق) فاضت الفضائل مِن جوانبه وإنحسرت الرذائل التي هي نبع الهوى.. ماذا كانت نهاية هذا الانسان؟
كانت نهايتهُ كبدايته، عندما خلقهُ الله وفطرهُ على حُبِّ الخير.
أصبح لدينا الآن إنسانٌ يُغلب العقل على الهوى، ويُقدّم الآخرة على الدنيا فتظهر عليه الفضائل ولا تُشاهد على سلوكه الرذائل،.. وهذا هو المتقي الذي يعدّه الاسلام مِن خلال منهاجه التربوي القيم الذي ساهم في إعداده القرآن الكريم من ناحية والسُنّة النبوية وكلمات الأئمة المعصومين مِن ناحية أخرى.
هذا هو الانسان الذي يجب أن يعرفه مَن يُريد قيادته وتوجيهه، وهذا هو الانسان الذي تقوم الادارة على أكتافه، فإذا حدث تقدمٌ فمنشأه هو الانسان نفسه، وإذا حدث تراجع فسببه هو أيضاً. فالادارة التي يؤسسها أميرالمؤمنين (عليه السلام) هي التي تقوم على سُلّم عبقرية هذا الانسان الصاعد نحو سلم الحياة بإمكاناته وكفاءاته.
ثانياً: الصفة التنظيمية
يبتدأ الفكر الإداري في الإسلام بالتركيز على النظم والنظام، فأكبر مصداقٍ للنظم هو تنظيم شؤون الدولة وأُمور المجتمع، وقد جاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في البلاد العربية، وتقدّم المسلمون لأنهم كانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، إنتصروا في الحرب لأنهم أوجدوا نظاماً للقتال.. وانهالت عليهم الثروات لأنهم وضعوا نظاماً للاقتصاد يقوم على تحريك الموارد المجمدة التي كانت بيد الأغنياء واستطاعوا أن يوجدوا دولتهم لأنهم أقاموها على أساس مِن التنظيم ونشروا العلم لأنهم وضعوا نظاماً للتعليم.. وهكذا سادت الادارة المنضبطة سائر أرجاء البلاد الاسلامية بفضل الحث المتواصل على التنظيم والنظام. ويمكننا القول بكل ثقة: بفضل التنظيم إستطاع المسلمون أن يكتسحوا العالم ويوصلوا الاسلام إلى آخر بقعةٍ مِن بقاع الأرض.
وعلى هذا النسق أعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) إهتماماً كبيراً لنظم الأُمور وتنظيم الشؤون حتى أنه لم ينس أن يوصي أولاده وأصحابه وجميع المسلمين في آخر كلمة له قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى بنظم أمرهم.
فقد جاءت وصيته في النظم بعد وصيته بالتقوى لتأخذ مكان الصدارة في هذه الوثيقة الهامة: أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغْهُ كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم [103].
وفكرة النظم لم تكُ وليدة الساعة أو الحاجة فقد امتزجت هذه الفكرة بكلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) وبعقله قبل أن تأتيه الخلافة، فهذا عمر بن الخطاب يستشيره في الشخوص لقتال الفُرس، فيوصيه بأن يلتزم النظام في عمله، فيقول له: ومكان القيِّم بالأمرِ مكانُ النظامِ مِن الخَرَزِ ـ يجمعُهُ ويضمُهُ فإن انقطعَ النِّظام وتفرَّقَ الخَرَزُ وذَهَبَ، ثم لم يجتمِعْ بحذافيرهِ أبداً [104].
فالمدير هو كالفص الكبير في المسبحة التي تجمع بقية الفصوص، فإذا انفصل عن المسبحة إنفطرت جميع الفُصوص. فبدون النظام لايمكن أن تقوم لأحد قائمة، بل ستكون النتيجة الانفراط والتمزق وكيف لا يكون ذلك وقد اتّحد المسلمون لأنه أنزل الله إليهم ما يُنظّم شؤونهم وهو القرآن الكريم.
لنستمع إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو يُشير إلى ذلك في خُطبةٍ يُبين فيها فضل القرآن الكريم: ذلك القرآنُ فاستنطقوهُ، ولن ينطِق، ولكِنْ أُخبرُكُمْ عنْهُ، ألا إنَّ فيه عِلْمَ ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواءَ دائكُمْ ونَظْمِ مابَيْنكُمْ [105].
يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذا النص إلى عظمة القرآن الكريم، وإنها تتجلى في هذا الأمر بالذات في نظم أمر الناس وإدارة شؤونهم الحياتية ـ فالنظـم هو أحـد أربعـة أُمور أوجدها القرآن الكريم في الاُمة الاسلامية: 1ـ الحديث عن المستقبل 2- الحديث عن الماضي 3ـ معالجة المشكلات والمعوقات 4ـ تنظيم شؤون الناس.
هذا هو التنظيم، وهذا مقدار أهميته عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو بهذه النصوص يضع أمامنا نطفة الجنين الذي يُراد له أن يُولد مِن خلال هذه الدراسة حول النظرية الادارية للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وعندما نفتح ملف النظم في فكر الامام سنجد أنفسنا أمام حشد كبير من روائع الكلمات وهي تتناول هذه القيمة الأساسية في الادارة في شعبٍ مختلفة.
ويمكننا تصنيف المجالات التي ورد فيها لفظ النظم إلى الأُمور التالية:
كيف ينشأ النظام؟
كيف يقوى النظام؟
كيف ينهار النظام؟
أولاً: كيف ينشأ النظام؟
أولاً وقبل كل شيء كان مِن المفترض أن نتعرف على النبع الذي ينطلق منه النظام، في هذا المضمار يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عقل المرء نظامه [106].
فالعقل هو الرحم الذي يستقبل نطفة النظم فتلتصق بجداره، وهناك تأخذ بالنمو لتتحوّل إلى جنين... ومِن ثم يخرج الجنين مِن الرحم إلى الوجود على شكل خُطة ونظام.
فالعقل هو المصدر الأول للنظام، وبدونه لايمكن لأمة أن تكون منظمة في حياتها.
فالعقل هو مصدر الفكر.
والعقل هو مركز التخطيط.
والعقل هو نبع البرامج.
والفكرة والخطة والبرمجة هي ألف باء النظام.
فالعقل يضع بين أيدي البشر النظام قبل التطبيق، يبقى المسؤول عن تطبيقه هو العلائق الحسنة التي تنمو في المجتمع، والتي تقوم على اساس مِن الحقوق المتبادلة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): من تلك الحقوق حقُّ الوالي على الرعية، وحقُّ الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله ـ سبحانه ـ لِكُلٍّ على كُلٍّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم [107].
وعلى مبدأ الحقوق يقوم النظام، ويتحوّل إلى منهج في الحياة بعد أن كان مجرد فكرة في العقل، أي انه يدخُل حيّز التطبيق.
وهنا نقف عند مبدأ مهم يضعه أميرالمؤمنين(عليه السلام) بين أيدي الأجيال، وهو أنَّ الحقوق المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس هي الأساس في تكوين النظام الاداري. فمثلما للرئيس حقٌّ عليه واجبٌ أيضاً إزاء المرؤوسين، وكما أنّ للمرؤوسين واجباً، لهم حقوقٌ على الرئيس، وعلى أساس هذه الحقوق المتبادلة تنشأ العلاقات الاجتماعية في المجتمع وينشأ مِن شبكة هذه العلاقات ما نطلق عليه (النظام الإداري). ويجدر بنا أن نذكر هنا أنّ النظام الاداري الذي لايقوم على المصالح الفردية الآنية، ولا يقوم على الرابطة العرقية أو القومية، بل يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات لهو النظام الثابت والقوي الذي لايمكن أن تزحزحهُ أية قوة جبارة.
من هنا؛ فقد أرسى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أقوى نظام إداري تمكن أن يسيطر على شؤون البلاد الاسلامية التي كانت مترامية الأطراف وكانت تموجُ بالاضطرابات والقلاقل، فعلى رغم هذه الظروف إستطاع النظام الاداري ان يفرض الأمن والنظام في طول البلاد وعرضها.
ثانياً: كيف يقوى النظام؟
النُظم الادارية التي يوجدها الاسلام تنظيمات قوية منيعة تقوم على روح الجماعة، وعلى الاستعداد الجمعي للتعاون والتآزر.
ولا ننس دور الأخلاق والفضيلة في إنشاء التنظيمات وتقويتها، لانّ التنظيم عملٌ جماعي، ولما كان الهدف من الخلق الحميد هو الحد مِن طغيان الفردية فإنه السبيل الأقوى دائماً لتأسيس التنظيمات الاجتماعية.
فالمجتمع الذي تنمو فيه الأخلاق هو الأقدر على تنظيم نفسه وتشكيل أعضائه ولاننس هنا أيضاً دور القانون في إرساء النُظم الادارية وترسيخها حيث أنّ القانون يحافظ على العلاقات التي تجمع أفراد التنظيم ويحافظ على ديمومتها وتقويتها. والمجتمعات التي يسود فيها القانون يسودها الضبط الاجتماعي أيضاً.
أما كيف يرى أميرالمؤمنين(عليه السلام) سبُل تقوية النظام بصورة عامة والنظام الاداري بصورة خاصة؟
الجواب: عبر هذه الوسائل:
أولاً: العدل؛ العدل بمثابة العصا الّتي يمسك بها مَن يُريد موازنة جسمه فوق حبلٍ رفيع في ألعاب السيرك. فلولا هذه العصا لا يستطيع رجل السيرك موازنة نفسه فهو عُرضة للسقوط في أية لحظة إذا ماغامر بنفسه ووقف فوق حبل السيرك.
يلعب العدل دور العصا في تنظيم المجتمع فوق حبل الحياة القاسية، فهو السبيل إلى الموازنة، فكلما مال الجسم إلى جهة أسعفه العدل في الجهة المقابلة، وهكذا حتى يستقيم المجتمع.
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل نظام الإمرة [108].ثم يقول: حسن العدل نظام البرية [109].
وهذه قاعدة عامة لا تختص بالنظام الاداري وحسب بل تشمل كل نظام حتى لو أُقيم على مبدءٍ آخر غير الاسلام.
ثانياً: الحلم؛ هدوء الأعصاب عند الإنفعال، وعدم الانفعال عند الاثارات وهو من قواعد الادارة، بل هو من قواعد التنظيم بصورة عامة ذلك لأن التنظيم يقوم على الأفراد، وكان لابدَّ مِن وجود علاقات طيبة بين هؤلاء الأفراد، ومِن أهم أُسس هذه العلاقة، سيادة الحكمة في العلاقات وعدم حدوث ردود فعل إنفعالية أثناء العمل والتي تعود إليها أهم عوامل المشاكل في التنظيمات الادارية.
ثالثاً: روح التعاون بين الأفراد" كالإحسان إلى الآخرين، ومواساة الاخوان والكرم وهي صفات تنمُّ عن روح جماعية، وعن ضمور للروح الفردية التي تهدد التنظيمات الادارية.
لنتأمل هذه النصوص التي تحمل هذا المفهوم.
نظام المروءة حسن الأُخوة [110].
نظام الدين خصلتان إنصافك مِن نفسك ومواساة إخوانك [111].
نظام الكرم مولاة الاحسان ومواساة الاخوان [112].
نظام الفتوة إحتمال عثرات الاخوان وحُسن تعهّد الجيران [113].
رابعاً: الدعوة إلى الطاعة؛ لابُدّ مِن وجود محور تجتمع عليه التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية، وهذا المحور هو طاعة الله سبحانه وتعالى فكلما زادت الطاعة إزداد التنظيم قوة وترابطاً، لأنّ الطاعة ستركز الالتزام القانوني في التنظيم أو المؤسسة.
خامِساً: التواضع؛ التواضع قيمة إجتماعية بدونها لاتقوم للمجتمع أية قائمة، وإذا أردنا أن نتعرف على أثر هذه القيمة الأخلاقية لنتصور المجتمع وقد حفّت به جماعة مِن المتكبرين، كيف سيكون حاله.
إن التكبر هو عامل تشتت وتمزّق في المجتمع، والمجتمعات التي تنمو فيها مظاهر التكبر عُرضة للانهيار أكثر مِن المجتمعات الأُخرى.
إذن التواضع هو السبيل لايقاف حالات التداعي والانهيار في المجتمعات البشرية، وقد جاء حث الاسلام على التواضع لصيانة المجتمع مِن الانهيار والحفاظ عليه مِن السقوط السريع.
من هنا أقرّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) قاعدة حيوية للحفاظ على حيوية المجتمع هي: بخفض الجناح تنتظم الأُمور [114].
وخفض الجناح هو كناية عن التواضع، وهو كناية عن تواضع الكبار من ذوي المسؤوليات لأن التعبير هو خفض الجناح لمن يمتلك القدرة على الطيران، فهؤلاء تقع عليهم مسؤولية التواضع، وهذا هو السبيل الأوفق لتقوية التنظيم والحيلولة دون انهياره وسقوطه.
سادساً: الأمانة؛ عندما يشعر كل فرد في التنظيم الاداري أو أيّ تنظيم إجتماعي بأنه أمين على مصالح الجماعة فإنّ إلتزامه نحو الجماعة ومصالحها سيكون متيناً للغاية وخلافاً للتنظيمات التي تقوم على التنافس المحموم والذي مِن شأنه أن يُفجّر التنظيمات من داخلها في كل لحظة، خلافاً لها أقام الاسلام نظامه الاداري على مبدأ الأمانة، فقد خاطب الله سبحانه وتعالى أفراد المجتمع الذين يتحملون مسؤولية إجتماعية قائلاً لهم: ﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [115].
فالنظام الاداري الذي يطمح إليه الاسلام هو النظام القائم على الأمانة، الذي يجعل مِن كُل فردٍ أميناً على مصالح الأُمة أميناً على ممتلكاتها، أميناً على قيمها ومثلها، أميناً على أسرارها وأفكارها.
وعلى النسق القرآني استعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكرة الآية الكريمة حول الأمانة فذكر في إحدى كلماته:
*فرض الله... الأمانة نِظاماً للأُمة [116].
والسؤال: كيف تصبح الأمانة نظاماً للأُمة؟
الجواب: عندما يتحسس المسؤول الكبير سواء كان حاكماً أو والياً أو مُديراً أو رئيساً بانه أمين على مصالح الأُمة، وعلى كل فرد منها، وإنه سيُسأل يوم القيامة عن هذه الأمانة.
وعندما يشعر كُلَّ فرد من ابناء الأُمة بأنه أمين أيضاً على مصالح الأُمة فعليه أن يصونها ويذود عن حياضها ويحميها حق حمايتها. وأي ضعف عن أداء هذه المسؤولية سيحاسب عليه وسيواجه بأشدِّ العقوبات.
ثالثاً: كيف ينهار النظام؟
الأنظمة عُرضة للانهيار، كما ينهار البناء عندما يتسلل إليه الماء والرطوبة، فالأنظمة تتسوس كما يتسوس الكرسي الموضوع في زاوية مِن البيت ولا يحصل على الرعاية المطلوبة، وأكبر معول يهدم نُظم الجماعة هو الخلاف، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [117].
وقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): الأُمور المنتظمة يفسدها الخلاف [118].
والخلاف هو جرثومة تبدأ صغيرة ثم تكبر فتنتشر فتهدد كيان المجتمع بأسره، والخلاف يبدأ صغيراً في نفس الانسان ثم ينمو كبيراً في كيان المجتمع.
وأول عملية هدم تتم بمعول الخلاف هو هدم الآراء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الخلاف يهدم الآراء [119].
فيظهر الخلاف وينتشر إلى كافة الرعية: آفة الرعية مخالفة الطاعة [120].
ثم يسري إلى قمة المؤسسات الاجتماعية فيصل حتى إلى المقاتلين: آفة الجند مخالفة القادة [121].
عندها سينهار المجتمع ويتمزق شرّ ممزق، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن نتائج الاختلاف: سبب الفرقة الاختلاف [122].
وعندما تبلغ الجرثومة إلى هذا المستوى مِن التأثير يجب الاسراع في العلاج، وتقع على حكماء المجتمع وعقلائه مسؤولية وضع حدٍ لهذا الانهيار بإيقاف حالة التداعي في المجتمع، وذلك بالعمل وفق هذه الخطوات:
أولاً: الرفق بالآخرين، وهو يضع حداً للمخالفات، يقول الامام(عليه السلام): الرفق يغلُّ حدّ المخالفة [123].
ثانياً: الانصاف، وهو نوع من العدل، يظهر فيه تساوي الانسان بين نفسه والآخرين، يقول الامام(عليه السلام): الانصاف يرفع الخلاف ويوجد الائتلاف [124].
هذا ما يمكن القيام به عند وقوع الاختلاف في المجتمع وما يتحمله المسؤول أو المدير مِن أعباء للحفاظ على النظم الاجتماعيه. وهذه هي إحدى الخواص التي تمتاز بها النظم الادارية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فهي إدارة منتظمة متسقة الأجزاء لا مجال فيها للفُرقة والاختلاف.
ثالثاً: الصفة الجماعية
لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على المدير. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ماتكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في ـ البيروقراطيةـ تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تيلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل.
وقد زخرَ فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة.
فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة مِن فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها.
أولاً: ضرورة وجود المجتمع
حاجة الفرد إلى الجماعة كحاجته إلى الهواء فهو لا يستطيع الاستمرار في الحياة بدون الجماعة، لأنّ تعقيدات الحياة تحتّمُ عليه أن يُعاشر الأفراد ويرتبط بهم برباط الأخوة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن ذلك: عاشر أهل الفضل تسعد وتنبل [125]. فلا سعادة للانسان إلاّ عندما يكون في دائرة المجتمع، لذا أمر الاسلام أبناءه بحُسن العشرة.
وفائدة العشرة الحسنة هي: بحسن العشرة تدوم المودة [126]. وبحسن العشرة تأنس الرفاق [127]. وبحسن العشرة تدوم الصلة [128].
ويقول في حثه على كسب الصداقات: مَن لا أخاً له لا خير فيه [129].
وهو لا يقصد الأخ الحقيقي للانسان لأنه: رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أُمك [130].
ومن محمل النصوص المتقدمة، ونصوص أُخرى لا مجال لذكرها ندرك ما يوليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) مِن أهمية لوجود الكيان الاجتماعي الذي تقوم العلاقات بين أفراده على أساس الأُخوة الصادقة.
فالأخوان زينة في الرخاء وعدّة في البلاء [131].
ثانياً:الحث على الارتباط بالمجتمع
إذا كان للمجتمع تلك الأهمية حيث لا تستقيم حياة الانسان ولا الإنسان تصلح أخلاقه إلاّ من خلاله ,فقد وردت النصوص الكثيرة وهي تحثُّ على الالتزام بالجماعة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):
الزموا الجماعة واجتنبوا الفُرقة [132].
الزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة [133].
والزموا ماعقد عليه حبل الجماعة [134]
وعليكم بهذا السواد الأعظم [135].
هنا نجد أنفسنا أمام نصوص تدعو إلى الارتباط بالجماعة حفظاً على وحدتها وكيانها السياسي حتى لا يتسرب إليها الفُرقة والاختلاف.
فالحفاظ على وحدة المجتمع مسؤولية شرعية، وهو أمانة في عنق كل مُسلم؛ اما الخروج على هذه الوحدة وشق عصا المسلمين فهو الخيانة لأنه تحوّل إلى معول لهدم مرتكز مهم مِن مرتكزات التقدم لدى المسلمين وهو وحدة المجتمع الاسلامي.
لذا يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): أعظم الخيانة خيانة الأمة [136].
وخيانة الأُمة هي الخروج على وحدتها القائمة على أساس مِن الحق وليس على الباطل، لأنّ الأمانة التي فُرضت على المسلم هي: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة [137]. فالخروج على هذا المبدأ هو الخيانة، بل هو أعظم خيانة، لأنه خيانة لكل أبناء الأُمة الاسلامية.
ثالثاً: كيفية تكون الجماعة
هذه الجماعة التي دُعينا إلى الارتباط بها لابُدّ وأن تقوم على أُسس متينة، وهي:
الوفاء: الوفاء قوام الأمامة وزين الأُخوة [138]. لأنه يبطن صدق العلاقة، وإخلاص الترابط.
التناصح: لاخير في قومٍ ليسوا بناصحين ولا يحبون النصح [139].
ويقول في هذا المضمار: خير الاخوان أنصحهم وشرهم أغشهم [140].
فالعلاقة القائمة في هذا المجتمع هي علاقة فاعلة تتحرك باتجاه الايجابية، فإذا ظهر الخطأ مِن أحد الأفراد يُسرع الآخرون إلى تغييره.
التعاون على إقامة الحق: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة [141]. فوجود الفرد في المجتمع يحمّله مسؤولية تحتم عليه العمل مِن أجل إرساء صرح الحق من أية زاوية كانت. يقول الامام: الزم أهل الحق وأعمل عملهم [142].
إقامة العدل: العدل قوام البرية [143]. فالمجتمع الذي يقوم على العدل هو المجتمع المسلم المعافى مِن كل مرضٍ، لأنّ العدل هو الذي يحافظ على توازن أطراف المجتمع. ويحافظ عليه من حالة الافراط والتفريط. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل قوام الرعية [144].
الشريعة: وهو العنصر الأهم في بناء المجتمع يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الشريعة صلاح البرية [145] فالشريعة هي التي تحدد الاطار القانوني للجماعة، وبدون القانون لا يستطيع المجتمع مِن الحياة ولا النمو.
فالمجتمعات تتكون من عنصرٍ إنساني تنتج عنه العلاقات الاجتماعية، ومِن عنصر قانوني تفرزه الشرائع والأعراف والعلاقات، ولا يبلغ المجتمع حالة السمو إلاّ عندما تحكمه الشريعة، لأنها قانون صادر عن الله سبحانه وتعالى.
المسؤولية: وجود الفرد في المجتمع يفرض عليه المسؤولية لأنّ العلاقة الاجتماعية هي مسؤولية بحدِ ذاتها، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): قوام الدنيا بأربع عالم يعملُ بعلمه وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم وغني يجود بماله على الفقراء، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا لم يعمل العالم بعلمه إستنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخلَ الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه [146].
فالمجتمع التي يرسمه الامام من خلال هذا النص هو مجتمع التكافل والمسؤولية، يحمل كل فرد فيه مسؤولية إعتبارية، فإذا ما قام كل فرد بأداء مسؤوليته فإنّ هذا المجتمع سيتقدم أشواطاً إلى الأمام، أما إذا لم يؤد ما عليه مِن مسؤولية فإنه سينتكس ويتراجع.
رابعاً: تصنيف المجتمعات
يصنف الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) المجتمعات البشرية إلى قسمين: مجتمع الأخيار ومجتمع الأشرار.
مجتمع الأخيار:من صفات هذا المجتمع ـ كما يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) ـ الاحسان غريزة الأخيار والإساءة غريزة الأشرار [147] فهذا المجتمع قائم على صفات ذاتية أصلية. يتصف افراده بهذه الصفات:
حسن الطاعة: بحسن الطاعة يُعرف الأخيار [148].
لين الكلام وإفشاء السلام: سنة الأخيار لين الكلام وإفشاء السلام [149].
الصدق والأمانة: الزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأبرار (الأخيار) [150].
الايثار، وهي علاقة مجسدة للروح الجماعية: الايثار سجية الأبرار وشيمة الأخيار [151].
فهؤلاء الاخيار الذين يبنون مجتمعاً مثالياً، وهو يستقبل أعضاءً جُدداً، يقول أميرالمؤمنين في حثه للناس على الالتحاق بركب الأخيار: خير الإختيار موادة الأخيار [152]. ويقول أيضاً: ثمرة العقل صحبة الأخيار [153]. ويقول أيضاً: صحبة الأخيار تكسب الخير [154]. ويقول: ليس لشيء أدعى لخيرٍ وأنجى من شرٍ من صحبة الأخيار [155]. ويقول: مِن أحسن الاختيار صحبة الأخيار [156].
مجتمع الأشرار:
صفات هذا المجمع كما ورد في كلمات امير المؤمنين(عليه السلام): الاحتكار شيمة الفجار (شيم الأشرار) [157].
من صفاتهم: الحقد من طبائع الأشرار [158].
ومن عادتهم: عادة الأشرار أذية الرفاق [159].
والأشرار لا يخافون مِن أحد حتى مِن الله سبحانه وتعالى: شرّ الأشرار مَن لا يستحي من الناس ولا يخاف الله سبحانه [160].
والاساءة هي رذيلة ذاتية متأصلة فيهم: والاساءة غريزة الأشرار [161].
فهؤلاء الأشرار يجب أن يفرَّ الناس منهم ولا يدنون منهم لأنّ مصادقتهم تجلب السقوط والهلاك: مصاحبة الأشرار توجب التلف [162].
وهم كالنار يحترق مَن يقترب إليها، يقول الامام: إياكَ ومعاشرة الأشرار فانهم كالنار مباشرتها تحرق [163].‏0
وعلى العكس؛ على الانسان أن يختار دائماً مجتمع الأخيار وينفر مِن الأشرار، يقول الامام: جانبوا الأشرار وجالسوا الأخيار [164].
فكان لابُدّ أولاً أن يميز بين الاشرار والأخيار: الاختبار معيار يُفرق بين الأخيار والأشرار [165]. لأنّ هناك مَن يحاول أن يزكي الاشرار ويظهرهم بمظهر الأخيار، ويقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أكبر الأوزار تزكية الأشرار [166]. فبعد الاختبار يختار المسلم المجتمع الطيب ويفضله على مجتمع الأشرار، يقول الامام: من حُسن الاختيار مقارنة الاخيار ومفارقة الاشرار [167]. أما الأشرار فلابُدّ مِن إعتزالهم والابتعاد عنهم: ينبغي لمن عرف الأشرار أن يعتزلهم [168]، ذلك لأنّ: مصاحبة الأشرار كراكب البحر، إن سَلِمَ مِنَ الغرق لم يسلم مِنَ الفَرَق [169]. فهو بين كماشتين، كماشة السقوط وكماشة الحزن.
خامساً: كيفية الانتماء إلى المجتمع الصالح
خَطى المُسلم خطوات وطيدة لللحاق بركب الصالحين فقد اختبر مجتمعه فعرفه بالاختبار العملي ثم إختاره على المجتمع الضال، والآن كيف السبيل إلى اللحاق به.
الاقتداء بالمجتمع الصالح، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الزم أهل الحق واعمل عملهم [170].وتكرار عملهم ليس تقليداً أعمى، بل هو الانسجام التام مع أهل الحق يجعلهم يسلكون طريقهم في الحياة، لأنه الطريق الصائب.
مشاركة المجتمع الصالح: يقول الامام: شاركوا أهل الدنيا في دنياهم [171] وهي مشاركة الانسان العامل الذي يضع رأسماله إلى جانب رأسمال الآخرين ليسارعوا إلى العمل بجد وهمة، والمشاركة في الدنيا تعبير عن المشاركة في الأُمور الاقتصادية والعمرانية.
الضديّة مع الشر: يقول الامام: ضادوا الشر بالخير [172]. فقتل الشر في النفس يمكّنها مِن الاقتراب إلى دائرة الخير.
الأخذ بالصدق والامانة: لأنهما جواز سفر إلى المجتمع الطيب، يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إلزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأخيار [173].
الصبر وتحمّل الصعاب: يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): إن صبرت أدركت بصبرك منازل الأبرار [174] لأن الانتماء إلى المجتمع الصالح بحاجة إلى ضريبة، على الانسان أن يدفعها، عليه أن يصبر على ضغط سلطان الشهوة، وعلى ضغط سلطان الزمان، وإذا أردنا أن نلخص الفكرة الاجتماعية نستطيع القول إنًَّ المجتمع الذي يطمح إليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هو:
المجتمع المتزن، الذي يقوم على دعامة العدل.
المجتمع النشط الذي يعمل بدوافع المسؤولية.
المجتمع المفتوح الذي يستقبل في كل يوم جمعاً جديداً من المؤمنين.
المجتمع المقنن، الذي يستند إلى قانون الشريعة الاسلامية.
المجتمع الذي يحتضن أفراده ويمنحهم الفرص والأدوار.
المجتمع المتطور الذي لا يعرف التوقف في حياته.
وهذه هي الخصال الضرورية للتنظيم، فأيّ تنظيم إداري ينشأ في وسط هذا المجتمع سينمو سريعاً، ويترسخ بقوة لانه سيُقام على أعمدة إجتماعية متينة.
رابعاً: الصفة الهدفية
الحياة لم تُخلق عبثاً، فهي لم تخلق بالصدفة ـ كما يذهب البعض ـ ولا خلقتها الطبيعة العمياء ـ كما يقول آخرون ـ ولم تخلق الدنيا نفسها ـ كما هو رأي البعض ـ بل خلقها خالق قدير متعال، عالم قادر رازق حكيم عادل، فمن الخطأ أن يعتقد المرء بأنّ لهذا الوجود خالق ثم يقول باللاهدفية، فأينما رميت ببصرك فثمة دليل قاطع على هدفية الكون والحياة، هذا ما يؤكده لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية وما أشار إليه أميرالمؤمنين(عليه السلام) في كلماته الرائعة، فتسلسل الفكرة يفرض علينا هذه الخطوات، وأن نسأل هذه الأسئلة.
أولاً: هل خلق الله هذا الكون عبثاً؟
أم إنّ هناك هدفاً واضحاً من خلق الكون والسماوات والأرضين، فما هو جواب أميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام: ما خلق السموات والأرض ومابينهما باطلاً [175]. والعبث (اللاهدفية) هو صنف مِن أصناف الباطل لأنه إذا قلنا بالعبثية لواجهنا هذا السؤال، ما الفائدة إذن مِن الخلق هل ليلهو الخالق بخلقه؟!يضع الامام الجواب البيّن على هذا السؤال وغيره مِن التساؤلات: ما خلق الله سبحانه أمراً عبثاً فيلهو [176].
والبشر هو مِن هذا (الأمر) الذي لم يخلقه الله عبثاً. وهنا نصل إلى المحطة الثانية.
ثانياً: هل خلق الله البشر عبثاً؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): لم يخلقكم الله سبحانه عبثاً ولم يترككم سُدىً [177].
وعندما يشاهد أمامه أُناساً يلهون في هذه الدنيا فيخاطبهم خطاباً صارماً: اهجر اللهو فإنك لم تُخلق عبثاً فتلهو، ولم تُترك سُدىً فتلغو [178].
فعندما يصنع الصانع آلة يُريد لآلته أن تعمل وفق الهدف المرسوم لها، لا أن تُرمى بعيداً بدون أن يستفاد منها. فالله الذي خلق الانسان أراد له أن يعمل وفق الهدف الذي وضعه له. وأن يكون في دائرة المسؤولية التي ألقاه فيها. فإذا وجده يلهو بغير الهدف المرسوم له، يغضب عليه لأنه عاكسه في اصل الخلقة وهو الهدف مِن خلقه. وهنا نصل إلى المحطة الثالثة وهي الهدف من خلق الانسان.
ثالثاً: ما هو الهدف من خلق الإنسان؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): رضا الله سبحانه أقرب غاية تُدرك [179].إذن رضا الله سبحانه هو الهدف الكبير، والسؤال: كيف يتحقق رضا الله سبحانه وتعالى؟
لقد بعث الله الأنبياء والرُسل وأرسل الكُتب وبيَّن فيها ما يُريد وما لا يُريد، فالعمل بهذه الكُتب، وبما يقوله الانبياء هو تحقيق لمرضاة الله سبحانه وتعالى، يقول الامام في ذلك: إنَّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته وأخرجوا إلى الله مما إفترض عليكم مِن حقوقه [180].فالعمل بالاسلام هو ما يريده الله تبارك وتعالى، وغاية الاسلام هي إخراج الحقوق المفروضة على المسلم حقّ نفسه عليه، وحقّ الآخرين عليه، وحق الله عليه، وبذلك تتحقق الغاية الكبرى والهدف الأسمى مِن الخليقة.
إذن رضا الله هو الاطار العام للهدف الذي مِن أجله خلق الله الانسان، أما تفاصيل هذا الاطار فهو العمل بالاسلام بكل جزئياته وتفاصيله، فهو الطريق المعبّد إلى رضا الله وبالتالي هو الهدف مِن خلق الانسان في هذه الحياة.
وتبقى هناك قضية تمسُ حياة الانسان في كل صغيرة وكبيرة وهي: خَلَق الله الانسان وخَلَقَ معه الدنيا، فكم أخذ مِن الدنيا وكم يعطيها، وهل الدنيا لذاتها هدف للانسان أم إنها وسيلة لهدف آخر؟ الجواب على ذلك هو الخطوة الرابعة مِن بحثنا.
رابعاً: الدنيا وسيلة وليست هدفاً
هناك خط رفيع يفصل بين عمل الدنيا الذي فيه رضا الله، وعمل الدنيا الذي ليس فيه رضا الله، والانسان الذي لا يستطيع أن يميز هذا الخط سينغمر في الدنيا وقد يغرق في مياهها، فكيف نستطيع ان نُميّز هذا الخط؟
هذا هو السؤال الشائك الذي قامت على جوابه المذاهب والفلسفات والأفكار والنظريات من قديم الزمان وحتى يومنا هذا.
فما هو جواب اميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام مخاطباً الانسان: إنك لم تُخلق للدنيا فازهد فيها وأعرض عنها [181].
وهذا لا يعني أن يترك الانسان الدنيا وشأنها بل معنى ذلك أنّ الدنيا ليست هدفاً فلابد أن يزهد فيها الانسان فلا يتعلق بها تعلق الحبيب بمحبوبه، بل يأخذ منها ما يكفيه، والذي يكفيه هو إشباع حاجاته الضرورية وهي ثلاثة:
أولاً: الحاجات الضرورية لبقائه في الحياة وهي الحاجة إلى الطعام والشراب والسكن.
ثانياً: الحاجات الضرورية لبقاء النوع، وهي الحاجة إلى الزواج وما يتعلق بها.
ثالثاً: الحاجات الاجتماعية كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، فمن حق الانسان ان يأخذ مِن الدنيا ما يشبع هذه الحاجات، لكن ان لا يزيد عن ذلك، يقول الامام: إنَّ الدنيا دار منها لها الفناء، ولأهلها منها الجلاء، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما يحضُرُكُمْ مِنَ الزّادِ ولا تسألوا فيها إلاّ الكَفافَ ولا تطْلبُوا مِنها أكثرَ مِنَ البَلاغِ [182].
فإذا لم نُخلق للدنيا فلأي شيء خُلقنا يا ترى؟
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنكم إنما خُلقتم للآخرة لا للدنيا، وللبقاء لا للفناء [183]. فإذا كان الأمر كذلك إذن: وما يصنع بالدنيا مَن خُلق للآخرة [184]. عليه أن يغتنم من الدنيا لآخرته: الأعمال في الدنيا تجارة الاخرة [185].
وهي تجارة رابحة، لأنها متاجرة بين شيء زائل وشيء باقٍ يقول الامام: الرابح مَن باع الدنيا بالآخرة [186].
فالدنيا ليست إلاّ ساحة سباق يتسابق فيها الناس إلى غاية اسمى يقول الامام: المؤمن الدنيا مضماره، والعمل همته والموت تحفته والجنة سبقته [187]. نص رائع يشتمل على قمم البلاغة.. إذن الدنيا ساحة سباق والهداية يأخذها عند الممات، أما الجائزة التي يسعى مِن أجلها فهي (الجنة).
هذا هو حال المؤمن أما حال الكافر: الكافر الدنيا جُنتُه، والعاجلة همته والموت شقاوته، والنار غايته [188].
صورتان متعاكستان؛ متسابقان أحدهما إتخذ الدنيا ساحة سباق أما الآخر فاتخذها هدفاً له، فإلى أين إنتهى المتسابقان أحدهما إلى الجنة، والآخر إلى النار. فالغاية إذن هي الجنة يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة [189].
خامساً: لمن الجنة؟
وصلنا إلى ان الهدف الذي خلق الله الانسان له هو الجنة، والجنة ليست المكان وحسب، بل هي متضمنة شروط الوصول إلى هذا المكان. وعندما يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة يختصر كل شيء في هذا النص القصير، فالغاية هنا نقطة النهاية اي المكان الذي سينتهي إليه المؤمن، والغاية هنا أيضاً تحقيق الشروط التي توصل الانسان إلى تلك النقطة النهائية وشروط الوصول هو الايمان المتحقق في المؤمن.
فنحن إذن أمام نصٍّ يجمع بين البداية والنهاية، الايمان البداية والجنة هي النهاية، الايمان شرط للوصول، والجنة مكان وتمكين، فمن حصل على تلك الشروط فهو واصل إلى الجنة لا محالة. ويكرر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هذه الحقيقة قائلاً: الجنة جزاء كل مؤمن محسن [190].
إذن الايمان هو الطريق إلى الجنة، وأول خطوة في طريق الايمان هو الجهاد مع النفس، لأنه مَن لا يفرّغ قلبه من الشر لا يستطيع أن يملأه بالايمان، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): لا يجوز الجنة إلاّ من جاهد نفسه [191].
سادساً: مَن هو المؤمن؟
في هذه المحطة نصل إلى المؤمن، أو بعبارة أُخرى مَن ترجم الايمان في حياته يقول الامام: ثلاث مَن كنّ فيه كمل إيمانه: العقل والحلم والعلم [192]. فالمؤمن على درجات، لانّ العقل والحلم والعلم على درجات أيضاً، فإذا كملت هذه العناصر الثلاثة كَمُلَ إيمانه ايضاً، وعلى اساس هذه الدرجات تكون درجته في الجنة، فكلما إرتفعت درجة إيمانه إرتقى درجة في الجنة أيضاً.
إذن هدف الانسان في الحياة هو كسب الأُمور الثلاثة المذكورة: العقل والحلم والعلم، فكان لابُدَّ من التوقف عند كل واحدة منها.
1. العقل
للعقل مكانة مرموقة في فكر الامام علي(عليه السلام)، فهو جزء فاعل ومتفاعل في حياة الانسان، فالعقل عند الامام(عليه السلام) ليس ـ كما هو عند أصحاب النظريات الفلسفية المعقدة ـ فهو يُعرف مِن خلال آثاره وعبر نتائجه.
إذن ماهو العقل، وماهي فوائده، وماهو دوره في حياة الانسان، وكيف يمكن صيانته؟
سنلمُّ بهذه الاستفهامات الخمسة مِن خلال النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)
أ.ما هو العقل:
العقل عند أميرالمؤمنين(عليه السلام): هو السلطة التي تقود الانسان إلى الخير والسعادة. يقول الامام في ذلك: العقل إنك تقتصد فلا تسرف وتعِد فلا تُخلف وإذا غضبت حَلُمت [193] ويقول: إنما العقل التجنب مِن الاثم والنظر في العواقب والأخذ بالحزم [194] وهو أداة السلطة التي يستخدمها الانسان في مواجهة حالات الضعف والسقوط التي قد تعتريه، يقول الامام: العقل سلاح كل أمر [195].
وإذا ما دققنا في النصوص الأُخرى التي تحكي عن ماهية العقل نجد أنها تتفق على أنَّ العقل قوة وسلطة تساعد الانسان على نقله مِن دائرة الشر إلى دائرة الخير.
ب. فوائد العقل:
عندما يستخدم الانسان سُلطة العقل في توجيه حياته فإنه سيكسب كل خير، وسيتجنب كل شر، سيكسب الحياة وما فيها مِن خيرات وسيكسب التعالي في بناء شخصيته وما تتحلى به مِن فضائل.
من هنا: فإن ثمرة العقل: الاستقامة [196].لزوم العقل [197] العمل للنجاة [198] مداراة الناس [199]، الصدق [200] قمع الهوى [201].
يقول الامام: مَن عقل... فَهِمَ [202]، عفّ [203]،إستقال [204]، سمح [205]، قنع [206]، صمت [207]، كثر إعتباره [208]،.. اعتبر بأمسه وإستظهر لنفسه [209]، يتعظ من غفلته [210].
ج. مَن هو العاقل:
عرفنا العقل وفائدته وقد آن الأوان لنعرف مَن هو العاقِل، يستخدم الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عبارة العاقل للدلالة على مَن استخدم عقله، وكأنَّ هذا العقل قد تسرب إلى أنحاء بدنه كما أن الدم ينتشر ويتسرب فيمنح الحياة لأعضاء بدن الانسان.
فالعقل هو الحاكم على أعضاء بدنه، بل كل خلية في كيانه تديره سلطة العقل، فهي خاضعة له خضوع طاعة واعية، مُنصاعة إليه لأنه سلطة تقوده إلى الخير والسعادة، لذا: يستدل على عقل الرجل بالتحلّي بالعفة والقناعة [211]... بما يجري على لسانه [212]... بكثرة وقاره [213].
فكل جوارحه وجوانحه وأعضائه منساقة منضبطة لسلطة العقل: فالعاقل لا ينخدع [214]... يضع نفسه [215]... من وعظته التجارب [216]... مَن أمات شهوته [217]... من صدق أقواله افعاله [218]... مَن وقف حيث عُرف [219]... مَن تورّع عن الذنوب [220]... إذا سكت فكّر وإذا نطق ذكر وإذا نظر إعتبر [221]... مَن وضع الأشياء مواضعها [222]...يجتهد في عمله [223]... لا يفرط به عنف [224]... مَن يملك نفسه إذا غضب وإذا رغب وإذا رهب [225]... مَن قمع هواه بعقله [226]. الفكرة التي تطرحها هذه النصوص هي: أنّ العقل قوة تعمل على تنظيم أجزاء الانسان بما تفرض مِن قواعد وضوابط، ومن ثمَّ هو المسؤول عن تفعيل هذه الأجزاء بطريقة متسقة، وينتج عن ذلك إنساناً متزناً منضبطاً تتحرك أجزاؤه وفق معايير وقواعد، وتكون الحركة بطبيعة الحال باتجاه أهداف خيرة.
د ـ صيانة العقل:
فإذا كان للعقل هذه الأهمية، فكيف يمكن صيانته والحفاظ عليه؟ يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): شرُّ آفات العقل الكبر [227] فالتكبر يعزل الناس عن المتكبر حتى لو كان عالماً عاقلاً، مِن هنا كان: جهاد النفس بالعلم عنوان العقل [228].ويقول الامام علي(عليه السلام) عن معاول العقل: سبب فساد العقل الهوى [229] وأيضاً: سبب فساد العقل حبّ الدنيا [230].
ويقول أيضاً: ذهاب العقل بين الهوى والشهوة [231].
فمنطقة الخطر التي تهدد العقل حدودها الهوى، فكلّما اتسعت هذه الدائرة إشتدّ خطرها، لذا كان لابُدّ مِن التحفّز الدائم لصيانة العقل مِن هذه المخاطر.
يقول الامام: ردع النفس عن زخارف الدنيا ثمرة العقل [232].
ويقول أيضاً: كسب العقل الاعتبار والاستظهار [233].
ويقول أيضاً: لا تصحبنّ من لا عقل له [234].
وأفضل وسيلة لصيانة العقل هو مجالسة الحكماء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مجالسة الحكماء حياة العقول وشفاء النفوس [235].
2. الحلم:
هدف آخر يسعى مِن أجله الانسان ليصبح متمكناً من نفسه من شهواته وغضبه، والحلم هو سلطة لأرغام النفس على إتخاذ حالة الاعتدال، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنما الحلمُ كظم الغيظ وملك النفس [236]. اما فائدته فتنعكس على سلوك الانسان فيضعه في مكانة مرموقة داخل المجتمع، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الحلم عشيرة [237] ومن ثمار الحلم الرفق ـ كما يقول الامام(عليه السلام) ـ وهذه الخصال ذات أثر واقعي على حياة البشر لأنها تفتح الطريق أمام التوسع في العلاقات الأخوية الصادقة. أضف إلى ذلك فإن الحلم يستر معايب الفرد إذا كانت فيه معايب، فسطوع هذه الفضيلة سيُغطي على العيوب، لذا كان الحلم غطاءٌ ساتر [238] يستر على جوانب ضعفه الذاتية التي لا دخل له فيها كالبُكم والصم. وحتى لو كانت فيه رذيلة فإن الحلم يستر عليها، ويخفف مِن آثارها.
أما كيف تصبح حليماً؟
يضع الامام اميرالمؤمنين أمامنا عدة طرق لكسب هذه الفضيلة، من هذه الطرق مجالسة الحلماء: جالس الحلماء تزد حلماً [239]. ويقول ايضاً: صاحب الحكماء وجالس الحلماء [240].
كما لابُدَّ مِن مكافحة الآفات التي تقف حجر عثرة أمام الحلم منها المذلة: آفة الحلم الذلّ [241]، لأن الذليل يفقد موازين القيم.
3. العلم:
هدف ثالث من أهداف الانسان في الحياة. فهو يتعلم مِن أجل أن يحيا حياةً أفضل، فبالعلم يستطيع الانسان أن يقود مسيرة حياته وأن يُحسن معيشته يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إكتسبوا العلم يكسبكم الحياة [242]. والعلم عندما يقترن به العمل يتحوّل إلى حركة صحيحة في الحياة، يقول أميرالمؤمنين: العلم أصل كل خير [243]. ويقول أيضاً: العلم حياةٌ وشفاء [244]، العلم خيرُ دليل [245] فالعلم هو الوسيلة التي تنقل الانسان مِن الطريق المظلم إلى الطريق الواضح، وتمنحه القدرة على إدارة نفسه وتخليصها مِن الهفوات والنواقص، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العلم يُنجِي مِن الارتباك في الحيرة [246] لأنه يضيء الطريق أمام البشر ويجعلهم متبصرين بأحكام الله وقادرين على تفهم الظروف المحيطة بهم، وما الذي يجب فعله، يقول اميرالمؤمنين: العلم يرشدك إلى ما أمرك الله به [247].
ولو تعمقنا في النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) لاستنتجنا ما يلي:
العلم لا يكون نافعاً إلاّ إذا اقترن بالعمل: علم بلا عمل كشجر بلا ثمر [248].
لا فائدة مِن العبادة بدون العلم: المتعبّد بغير علم كحمار الطاحونة [249].
تجارب الإنسان في الحياة، وهو نوع من العلوم: التجارب علم مستفاد [250].
وهناك علوم متنوعة، يجب تعلم الأفضل: خذوا من العلم أحسنه [251].
وهناك علوم تؤدي بمن تعلمها إلى الضلال يجب إجتنابها: رب علم أدى إلى مضلتك [252].
بالعلم يسعد الفقير والغني: العلم زين الأغنياء وغنى الفقراء [253].
وبالعلم يمتلك الانسان المقومات الاجتماعية: تعلموا العلم تُعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله [254].
من مظاهر العلم الخشية: أعظم الناس علماً أشدهم خوفاً لله سبحانه [255].
لابُدّ مِن أن يُعلِّم العالم الجاهل: المال تُنقصهُ النفقة والعلم يزكوا على الانفاق [256]. ويقول أيضاً: زكاة العلم نشره [257].
إذا اقترنت الزعامة بالعلم فستكون زعامة متميزة: سياسة النفس أفضل سياسة ورياسة العلم أشرف رياسة [258].
لابُدّّ من التعب والنصب مِن أجل تحصيل العلم: لا يُدرك العلم براحة الجسم [259]. هذا هو العنصر الثالث عنصر العلم الذي يجب على الانسان أن يسعى للحصول عليه.
وحدة الهدف بين العقل والحلم والعلم
مِن الشروح السابقة للعقل والحلم والعلم تبين لنا وجود نسق مشترك بين هذه الأركان الثلاثة، فالعقل كما يقول الامام؛ مركب العلم، والعلم ـ كما يقول ـ مركب الحلم، وفي نص آخر: العقل أصل العلم وداعية الفهم [260].
ولا خير في عقل لا يُقارنه حلم [261].
والحلم هو تمام العقل [262].
ومع العقل يتوفر الحلم [263].
والعلم مصباح العقل [264].
والعلم قائد الحلم [265].
فالعقل يؤدي إلى العلم وهما معاً يؤديان إلى الحلم. وهذه هي الصفات الأساسية للشخصية المتكاملة التي يسعى من أجلها كل إنسان. وهي بالتالي صفات يجب توفرها في المدير المناسب القادر على إدارة دفة الأُمور.
فالعقل والحلم والعلم هي شروط يجب توفرها في المدير الجيد القادر على الادارة فسلطة العقل تمتد في آثارها منعكسة على الادارة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أول شيء يدل على غزارة العقل حسن التدبير [266]. لأنّ بالعقل يتمكن الانسان العاقل أن يُدير الناس أفضل إدارة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عنوان العقل مداراة الناس [267]. ومداراة الناس هي إحدى أركان الادارة الجيدة، وهي معرفة ما يرضيهم وما يزيدهم من فاعليتهم في الحياة.
أما شرط الحلم في المدير، فنذكر هنا ما ورد في عهد أميرالمؤمنين إلى مالك الأشتر وهو يذكره بشروط تنصيب القادة العسكرييين فيقول له: فولِّ مِن جنودك.. وأفضلهم حلماً [268]. أما العلم فهو أحد أركان الادارة والقيادة عند الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): رياسة العلم أشرف رياسة [269].
فالادارة ليست فناً وحسب، بل هي علم أيضاً.
من هنا كان الهدف تنمية قدرات الانسان ليستطيع من تحمُّل المسؤولية وإدارة دفة الأُمور.
خلاصة البحث:مما سبق تبين لنا أن الادارة عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.
والصفة الثانية: الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.
أما الصفة الثالثة: فهي الحالة الاجتماعية، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البير وقراطية والتِلرية العلمية.
أما الصفة الرابعة: فهي الهدفية، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.
المصادر:
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
غرر الحكم ودرر الكلم/ الآمدي.
المفردات/ الراغب.

خاصة تقوم على احترام حقوقهم الاساسية ليكونوا عناصر فاعلة وايجابية في اسرهم ومجتمعاتهم ، ولعل اهم تلك الحقوق فهي :
أولاً : الحفاظ على حياة الطفل
ان من الحقوق الاساسية لمرحلة الطفولة عند الامام علي هو احترام حياة الاطفال واحاطة الكيان المادي الرقيق لهم بحواجز من الحماية ، فضلاً عما ذكرناه تقديس الامام لحياة الانسان ، فانه(ع) يولي الاهمية ذاتها لحماية حياة الاطفال ، فمن الناحية القانونية حدد الامام دية الجنين على وفق مراحل تكوينه المختلفة اذ يقول (ع) :" في النطفة عشرون ديناراً وفي العلقة اربعون ديناراً وفي المضغة ستون ديناراً وفي العظم قبل ان يستوي خلقا ثمانون دينارا وفي الصورة قبل ان تلجها الروح مائة دينار واذ ولجتها الروح كان فيه الف دينار " (1)(2) .
اما من الناحية السياسية ،وكدليل على احترام الامام لحياة الاطفال فانه (ع) يلزم حتى الحكام بدفع ثمن اخطائهم اذا ما اودى ذلك الخطأ بحياة الجنين كما كان موقفه في قضية الخليفة الثاني(3) ، ومن فهمنا لهذا الموقف نجد ان الامام دعا لمحاسبة الحكام على عدم مبالاتهم بالاطفال وعدم النظر اليهم بعين الاعتبار .
لقد بلغ من اهتمام الامام بحياة الطفل ان دعا الى توفير الغذاء الجيد والمتوازن للطفل سابقا في ذلك العلم الحديث الذي يقول ان " للغذاء تاثيراً في الجسم والروح على حد سواء ، حيث انه مؤثر في ايجاد الخصائص الجسمية
____________
1- الالف دينار يعادل ثلاث الاف ومائتين وخمسين غراما تقريبيا من الذهب الخالص . صادق الشيرازي ، مصدر سابق ، ص31.
2- المجلسي ، مصدر سابق ، ج4، ص266 .
3- حين استدعى الخليفة احدى النساء الحوامل فتملكها الخوف واسقط جنينها، لذا طالب الامام الخليفة الثاني بأن يأد الجنين، للمزيد حول هذه الحادثة ينظر : الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج29 ، ص 267-268 ، النوري ، مصدر سابق ، ج18 ، ص327 ، المتقي الهندي ، مصدر سابق ، ج15 ، ص121 ؛ الجندي ، مصدر سابق ، ص25 وما بعدها .
________________________________________ الصفحة 272 ________________________________________
كالنمو والجمال … الخ كذلك في خلق الصفات النفسية والاخلاقية ، كالرذائل والفضائل ايضا"(1) ،ويقول الامام (ع) :" مامن لبن يرضع به الصبي اعظم بركة عليه من لبن امه"(2) . يبدو ان الامام اشار الى البركة تاكيدا منه على الجانب المعنـــوي فضلاً عن الجانب المادي لضمان صحة الطفل (3) ، وكذلك هي دعوة لضمان الامن الغذائي للاطفال واختيار الافضل لهم حيث يقول (ع) :" انظروا من يرضع اولادكم فان الولد يشب عليه"(4).
ان الحفاظ على حياة الاطفال هو مسؤولية الدولة والمجتمع والاسرة على حد سواء كونه صورة المستقبل واداته إذ يقول (ع) :" موت الولد قاصمة الظهر "(5) ، ومهمة الحفاظ على الكيان المادي للطفل على الرغم من حيوتها الا انها جزء من سلسلة الحقوق التي تكون الحقوق المعنوية الحلقة الثانية منها .
ثانياً : الحقوق المعنوية
نظر الامام علي للطفل ككتلة مشاعر واحاسيس يجب صيانتها واحاطتها ببيئة صالحة لتزدهر وتنمو حتى تترسخ قواعد الشخصية السوية ، حيث يقول (ع) عن الطفل : " ذو نية سليمة ونفس صافية "(6).
ومن الحقوق المعنوية الرئيسة التي دعا الامام الى تحقيقها في المجتمع هو حق الامن للاطفال حيث يقول (ع) :"من اخاف طفلا فهو ضامن "(7) ،بل
____________
1- د. علي القائمي ، الاسرة ومتطلبات الاطفال، ترجمة البيان للترجمة ،(بيروت ، دار النبلاء ، 1996) ، ص68.
2- بيضون ، مصدر سابق ، ص794 .
3- تذهب" العلوم الطبية الصحيحة ان حليب الام هو افضل غذاء طبيعي للطفل وسبب لوقايته من الامراض ...وانها تشمل الجوانب العاطفية والنفسية ايضا وعندما يرقد الطفل في احضان والدته ويرضع حليبها يشعر اولا بالسكينة والامان وثانيا تتسبب العلائق والوشائج العاطفية فيما بينهما " د. القائمي ، مصدر سابق ، ص69 .
4- بيضون ، مصدر سابق ، ص794 .
5- الواسطي ، مصدر سابق ، ص487 .
6- بيضون ، مصدر سابق ، ص673 .
7- الصلابي ، مصدر سابق ، ص370.
________________________________________ الصفحة 273 ________________________________________
ان الامام فرض ومارس تعويضاً على اخافة الاطفال على وفق ما ذكرناه سابقا في نظام التعويضات الذي اسسه الامام في عهد الرسول (‏صلى الله عليه وآله) حيث كان جزءاً من تلك التعويضات هو لـ"فزع صبيانهم"(1). ان فقدان الامن عند الطفل يترك اثاراً سلبية حيث يسلب الطفل القدرة على الانسجام مع المجتمع ويخلق له الاحقاد والعداوة في علاقاته الاجتماعية (2) .
اما المحور الثاني في الكيان المعنوي للطفل ، فهو ما يمكننا ان نطلق عليه ( حق الحب) الذي يجب ان يمنح للطفل داخل اسرته حيث يقول ( ع) :" من قبل ولده كان له حسنة ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة "(3) ، وانه بالحب والمحبة يتم زرع الاحساس في الطفل الباحث " لا شعوريا عن الطمانينة والامن ، وبانه موضع المحبة والرعاية من قبل ابيه وامه بما تمثله القبلة والضمة واللفتة من معنى الاحتضان الروحي الذي يملؤه بالدفء والحرارة العاطفية والاحساس بالامان والفرح مما يترك تاثيره على نفسيته في المستقبل "(4) ، اما ما ذكره الامام بضرورة ادخال السعادة على الاطفال فانه دعوة للاهتمام بهذا الجانب من قبل ثالوث(الحكومة والمجتمع والاسرة) بشان كل ما يدخل البهجة الى نفس الطفل ، ويعطي الامام في تعامله الابوي مع اولاده مثالاً واضحاً في اظهار حبه لهم ، حيث يقول في رسالته الى ولده الحسن " من الوالد الفان ... الى المولود المؤمل ... وجدتك بعضي بل
____________
1- صادق الشيرازي ، مصدر سابق ، ص32 . اما اصل الرواية التاريخية فقد ذكرناها سابقا حيث "بعث رسول الله (‏صلى الله عليه وآله) خالد بن الوليد مع جماعة من المسلمين في مهمة الدعوة الى الاسلام الى بني جذيمة .. ولم يامرهم بقتال ، فاوقع بهم خالد، وقتل منهم جماعة لتره كانت بينه وبينهم ، فبلغ الخبر رسول الله فبكى ... ثم دعا النبي علي بن ابي طالب فدفع اليه (صندقا ) من الذهب وامره ان يذهب الى بني جذيمة ويدفع اليهم ديات الرقاب وما ذهب من اموالهم "، المصدر السابق ، ص ص31 - 33 .
2- قائمي ، مصدر سابق ، ص283 .
3- المجلسي ، مصدر سابق ، ج101 ، ص44 .
4- محمد حسين فضل الله ، دنيا الطفل ، ط2 ،(بيروت ، دار الملاك ، 2002) ، ص96.
________________________________________ الصفحة 274 ________________________________________
وجدتك كلي ، حتى كان شيئا لو اصابك اصابني وكان الموت لو اتاك اتاني فعنا لي من امرك ما يعنيني من امر نفسي "(1).
ودعا الامام الى استشعار الرحمة والرافة والاهتمام والاحترام للاطفال حيث يقول (ع) : " ليرأف كبيركم بصغيركم ولاتكونوا كجفاة الجاهلية "(2) ،ويعطي الامام في سيرته العملية تطبقياً حياً للدعوة الى الرحمة والاهتمام بالاطفال، بل واحترامهم فـ" الطفل بحاجة الى ان يحترم ويقدر ويعد هذا الامر من الاسباب الرئيسة للنمو وعاملا مهما لبناء الشخصية "(3) . لذا فاننا نرى الامام حين دخل البصرة ، كما يقول الحسن البصري ، " مر بي وانا اتوضا فقال : يا غلام احسن وضؤك يحسن الله اليك ، ثم جازني فاقبلت اقفوا اثره فحانت منه التفاتة ، فنظر الي فقال : ياغلام الك حاجة؟ قلت : نعم علمني كلاما ينفعني الله به. فقال : يا غلام من صدق الله نجا ومن اشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عينه بما يرى من ثواب الله عز وجل ... وعليك بالصدق في جميع امورك فان الله تعبدك وجميع خلقه بالصدق "(4) .
ويذهب السيد فضل الله الى ان قول الامام (ع): " من وعظ اخاه سرا فقد زانه ومن وعظ اخاه علانية فقد شانه" (5) الى انها تؤكد ، في جملة ما تؤكده ، على كرامة الطفل وذلك برفض ان ان ينتقد الانسان انسانا اخر امام شخص ثالث يعني ان يقدمه الى الاخر كفرد ناقص الاخلاق او العلم او
____________
1- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، كتاب 31، ص ص 496-497 .
2- المصدر السابق ، خطبة 66، ص96 .
3- د. قائمي ، مصدر سابق ، ص191.
4- المجلسي ، مصدر سابق ، ج47 ، ص422 .
5-المصدر السابق ، ج71 ، ص166 ؛ الكراجي ، مصدر سابق ، ص34 .
________________________________________ الصفحة 275 ________________________________________
الحكمة او العقل وما الى ذلك الامر الذي ينتقص من شعور الاخر بالكرامة ويخلق لديه مشاعر الالم والحزن والضعف وهو امر غير جائز بالنسبة للصغار والكبار فالاطفال لا يفترقون عن الكبار في ذلك لان هذا الامر يتصل باحساس الانسان بالكرامة التي يدمر الانتقاص منها احترام الانسان لنفسه (1) . ان هذه الحقوق المعنوية ستتعزز اكثر وتتجلى في الحق الذي اقره الامام للطفولة الا وهو حق التربية .
ثالثاً : حق التربية
يعد حق التربية من الحقوق الاساسية التي اشار اليها الامام علي (ع) فالتربية تأتي عنده(ع) انطلاقاً من الرؤية الاسلامية فهي وسيلة " من وسائل بناء الشخصية الانسانية لتحقيق اهداف الانسان الكبرى في اطارا الفهم الاسلامي ، واعداد المسلم لتحقيق كل الاهداف الاسلامية التي وضعت بين يدي الانسان ،سواء على مستوى انفتاحه على الله ام انفتاحه على الناس ام على نفسه ... بالعبادة والمعرفة ، ان هدف التربية اعداد الانسان المسؤول عن الكون والحياة في علاقته بالله وبالانسان وبالحياة "(2) .
يلقي الامام على الاسرة مسؤولية التربية كونها اول محيط يحتضن الطفل ويروى عن الامام(ع) قوله : " رحم الله والداً اعان ولده على بره "(3) ، ويقول ايضاً (ع) :" حق الولد على الوالد ان يحسن اسمه ويحسن ادبه ويعلمه القرآن "(4) .
اذن يحدد الامام عملية التربية بثلاث مراحل هي : مرحلة ما بعد الولادة ، حيث يشكل اختيار الاسم محوراً مهماً لما يتركه من اثر في نفسية المسمى
____________
1- فضل الله ، دنيا المراة ، مصدر سابق ، ص104 . ويروي الامام (ع) عن الرسول (‏صلى الله عليه وآله) قوله: اذا واعد احدكم صبيه فلينجز " ، النوري ، مصدر سابق،ج51 ، ص170 .
2- فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص39 .
3- حسن القبانجي ، مصدر سابق ، م10 ، ص236 .
4- بيضون ، مصدر سابق ، ص741 .
________________________________________ الصفحة 276 ________________________________________
وانطلاقته في المجتمع ، مما يوفر عنصر دعم في المرحلة الثانية ترتكز فيه التربية بتحسين ادبه وتقويمه ليكون عنصرا ايجابيا وفاعلا ، ومن ثم تعليمه القرآن ، الذي تطرقنا الى اهميته عند الامام سابقا ، لما يضم بين دفتيه من فلسفة وقيم مهمة لفهم الحياة ودور الانسان فيها مما ينبغي ان يستوعبها كل مسلم ويستفيد منها كل انسان.
ويحفز الامام الوالدين ، والمؤسسات التربوية الاخرى لجعل القرآن الكريم المدرسة الاولى التي ينهل منها الطفل حيث يقول (ع) عن الطفل " وان علمه القرآن دعي الابوان فكسيا حلتين يضيء نورهما وجوه اهل الجنة " (1). ويعزز الامام دعوته بحق الطفل بتربية صحيحة بالاستناد الى قوله تعالى :{قوا انفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } (2) ، حيث يفسره (ع) بقوله: "علموهم ادبوهم "(3) .
اما البعد الاخر في مبادئ التربية التي دعا اليها الامام علي فهو تاكيده عامل التطور والتغير كجزء من طبيعة الحياة وانعكاس ذلك على آلية التربية إذ يقول (ع) :" لا تقسروا اولادكم على ادابكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"(4)، فالامام " لايؤمن بالاقتصار على التطبع بتراث السلف ومسايرته وتقليد الابناء للاباء في عرفهم وعاداتهم بل راى ان التطور لايسير الا بتباين المعرفة، وبتغير العادات ... ويطلب الامام اعداد الابناء لزمنهم حتى يكون كفوء للاستجابة لتحدياته ومتطلباته ويقاس الانسان بتطوره ومن يتخلف يسبقه الركب الانساني"(5) .
____________
1- المجلسي ، مصدر سابق ، ج101 ، ص44 .
2- سورة التحريم /الاية 6 .
3- محمد الطبري ، جامع البيان ، مصدر سابق ، ج82 ، ص211 ؛ ابن قدامة ، مصدر سابق، ج8، ص164 .
4- ابن ابي الحديد ، مصدر سابق ، ج20 ، ص267 ؛ مدير ، مصدر سابق ، ج2 ، ص327 .
5- محبوبة ، مصدر سابق ، ص226 .
________________________________________ الصفحة 277 ________________________________________
والبعد الثالث بالنسبة للتربية الصالحة عند الامام نجده في قوله(ع) :" علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به لئلا تغلب عليهم المرجئة برأيها "(1) . ويذهب (ع) نحو الاستناد لحكم العلم والعقل في رسم ملامح ما يغنى به الانسان في اثناء تلقيه التربية ولاسيما العلوم النافعة ، ويدعو الى فتح باب الحوار كاسلوب امثل للتربية حيث تبادل الاراء والاسئلة والنقاش بروح منفتحة وصبر واستخدام لغة واضحة وجراة موضوعية في عرض افكار المدارس الاخرى، حيث ان الامام يتطرق الى مدرسة المرجئة الفكرية (2) كمقابل لمدرسة اهل البيت ومن ثم فهي دعوة لعرض اراء المخالفين حتى لا يكون هناك جمود فكري ، وتنوع واثراء للعقل الانساني حتى بالنسبة لمراحل الانسان الاولى .
ويرفض الامام اسلوب العنف والتوبيخ كاحدى آليات التربية إذ يقول (ع) : "ان العاقل يتعظ بالادب والبهائم لاتتعض الا بالضرب "(3) ، بل يؤكد الامام لمجموعة من الاطفال - مبينا لهم حقوقهم - قائلا : "ابلغوا معلمكم ان ضربكم فوق ثلاث ضربات في الادب اقتص منه "(4) ، ويعلق محمد حسين فضل الله على هذه المقولة بتحديد ملامح استخدام العنف في التربية قائلا : " انه ليس - للمعلم والمربي مهما كانت صفته - ان يبتعد عن التوازن في التاديب ويكون ذكر الضربـات الثلاث من باب المثل لا من باب التحديد … والضرب مرفوض كأسلوب للتعامل مع الطفل حيث يولد لديه احساسا بالقهر
____________
1- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج51 ، ص197 .
2- حول اراء هذه الفرقة ينظر مثلا : ابو الفتح الشهرستاني ، مصدر سابق ، ج1،ص186 وبعدها ؛ البغدادي ، الفرق بين الفرق ، مصدر سابق ، ص ص202-205 ؛ خليل ابراهيم الكبيسي ،المرجئة نشاتها وعقائدها وفرقها وموقفها السياسي ،رسالة ماجستير ، غير منشورة - كلية الاداب ، جامعة بغداد ،1975،ص48 ومواقع اخرى .
3- ابن سلامة ، مصدر سابق ، ص74 .
4- المصدر السابق ، ص171 .
________________________________________ الصفحة 278 ________________________________________
والخوف من جهة وموقفا رافضا من الشخص الذي يضربه من جهة اخرى"(1) ويستمر فضل الله بالقاء الضوء على ابعاد هذه المسالة قائلا ان " العنف لا يقنع لكنه يسكت دون ان يزيل ميول الانحراف وتأثيراتها على الشخصية ، وربما يخلق موقفا عدائيا من الاهل - والمجتمع - بحيث يفقد حبه لهم بطريقة او باخرى "(2) ، بل " من الناحية الشرعية الفقهية الضرب محرم … سواء كاسلوب تربوي ام كوسيلة من وسائل التنفيس عن عقد الاهل الشخصيـة لان الله لم يسلط المربي ايا كان ابا او اما او اخا او معلما على الطفل ولم يمنحه الحق في ان يعنفه، وربما كانت عقوبة العنف الموجه للطفل من الناحية الشرعية اكبر لان ظلم الضعيف افحش الظلم(3) ويقول الامام علي (ع):"اياك وظلم من لايجد عليك ناصرا الا الله(4) "(5).
والبعد الرابع في الية التربية يحدده الامام ، في ضمن تجربته العملية ، بانتقاء الاجود والانفع من الموروث الفكري لعرضه على الابناء إذ يقول (ع) في رسالته لاحد ابنائه :" فاستخلصت لك من كل امرٍ نخيلته(6) ، وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله ، ورايت حيث عناني من امرك ما يعني الوالد الشفيق واجمعت عليه من ادبك "(7) .
ان مهمة وواجب التربية هي مسؤولية شاقة للنهوض بالطفل في سبيل اعداد الانسان السوي والتي تتحقق مع الاخذ بنظر الاعتبار الحقوق الاخرى ولاسيما حق الحرية والمساواة للطفل.
____________
1- فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص51 .
2- المصدر السابق ، ص216 .
3- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، كتاب 31 ، ص510 - ص511
4- مصدر سابق ، ص14 .
5- فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص217 .
6- المختار المصطفى .
7- بيضون ، مصدر سابق ، ص746 .
________________________________________ الصفحة 279 ________________________________________
رابعاً : حق الحرية والمساواة
ان وجود الحرية للطفل امر ضروري ومهم ، اذ يجب ان يكون الاطفال احرارا ليتسنى لهم ان ينعموا بحركةٍ يتكامل من خلالها نموهم الجسمي والبدني . ويقدم الطفل على ازالة المعضلات والمشاكل التي يواجهها ، ويقوم بتأمين احتياجاته بنفسه ويدافع عن نفسه وليقف بوجه الذين يريدون اخذ المبادرة من يده وليوسع محيط حياته ونموه اكثر فاكثر .
ومن ناحية النظرة الدينية ايضا ينبغي على الطفل التحرر من العبوديات والقيود المختلفة، وان لا يُدفع من الاخرين الى الاستسلام او العبودية الفكرية وان لايكون مربيه وكأنه يمتلكه او سيداً عليه حيث يقول الامام (ع) - كذلك - " ولدك ريحانتك سبعا"(1) أي انه يدعو الى ان تمنح الطفل " قدرا من الحرية خلال السنوات الاولى من عمره ولنمارس بعدها عملية التعليم والتاديب والرعاية وبمختلف ابعادها الجسدية والنفسية والذهنية "(2) .
ولم يترك الامام تربية الطفل خاضعة لمزاج الابوين ، على الرغم من انه جعلهما مسؤولين مباشرة عن هذه التربية ، بل جعل التربية متحركة ضمن خطة محكمة تقضي بان يعطي الاب طفله حرية اللعب واللهو والتعبير مع رعايته وصيانة سلامته من الاخطار ، وتأتي مرحلة الطفولة الثانية التي يتحمل فيها الوالدان مسؤولية تعليمه وتاديبه بحيث يختزن الطفل المعلومات والخبرات والقيم والاداب والمهارات بالقدر الذي ينسجم مع مدركاته ومستواه الذهني بحيث يستطيع التكيف مع متطلبات مجتمعه(3)، ولقد ابدى الامام احترامه ارادة الاطفال وخياراتهم مع مراعاة الفرق بين مرحلتي الطفولة
____________
1- مدير ، مصدر سابق ، ج2 ، ص537 .
2- فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص19 .
3- فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص20 .
________________________________________ الصفحة 280 ________________________________________
الاولى والثانية ، حيث روي عن احدهم : " خيرني علي بن ابي طالب بين امي وعمي، وقال لاخ هو اصغر مني... وهذا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته "(1) .
وفضلاً عما تم ذكره من موقف الامام (ع) ورؤيته لحق الانسان في (المساواة العادلة) فان هناك بعداً اخر فيها الا وهو المساواة بين الابناء في الحقوق المادية والمعنوية بغض النظر عن أي متغير مثل الجنس والذكاء والمظهر ، بل ان الامام يدعو الى تحري الدقة في هذه المسالة إذ يقول الامام " ان رسول الله (‏صلى الله عليه وآله) ابصر رجلا له ولدان ، فقبل احدهما وترك الاخر فقال له رسول(‏صلى الله عليه وآله):فهلا واسيت بينهما "(2) بل ان الامام ينقل هذه المساواة من اطار الاسرة الى حيز المؤسسات التربوية والمجتمع ككل مؤكداً ضرورة ان ينعم كل طفل بحقوقه ومنها حق المساواة فحين القى صبيان الكتاب الواحهم بين يديه ليخير بينهم قال:"اما انها حكومة والجور فيها كالجور في الحكم"(3)،ان دعوة الامام للعدالة ستعزز مع حق اخر اقره الامام للطفل ألا وهو مجموعة الحقوق ذات الطبيعة القانونية .
خامساً : الحق القانوني
ان احترام الامام للطفولة تجسد بشكل جلي في ضمان مجموعة مهمة من الحقوق القانونية للطفل التي تجسدت بمبدأ (الحماية القانونية) فالامام يصر على عدم تجريم الفرد على اعمالـــه في هذه المرحلة من عمره ، إذ يقول (ع) :" عمد الصبي والمجنون خطأ "(4) بل ان تكريم الطفل يلقي
____________
1- ابن القيم ، زاد المعاد ، مصدر سابق ، ج5، ص466 .
2- النوري ، مصدر سابق ، ج51 ، ص172.
3- محمد التستري ، مصدر سابق ، ص171 .
4- الزيعلي ، مصدر سابق، ج6، ص417 ؛ محمد صادق النجمي ، اضواء على الصحيحين ، ترجمة يحيى كمال البحراني ، (قم ، مؤسسة المعارف الاسلامية ، 1419هـ) ، ص118.
________________________________________ الصفحة 281 ________________________________________
بظلال حمايته القانونية حتى على افراد اخرين ولاسيما والدته في سبيل الحفاظ على حقه في افضل بيئة ممكنة لنموه وتربيته ، إذ أخر الامام العقوبة على الام المذنبة من اجل تحقيق ذلك "فحين اتى عمر بن الخطاب بامرأة حبلى وقد زنت فأمر برجمها فمروا بها على علي بن ابي طالب فقال : يا هذا ان كان سبيلك عليها بذنبها فما سبيلك على الذي في بطنها فقال عمر فكيف اصنع؟ قال : تربص بها حتى تضع "(1)،بل انه اصر على التربية الصالحة للطفل إذ قال لامرأة اعترفت بالزنا فقال لها : " انطلقي فضعي ما في بطنك ثم ائتيني اطهرك …-فوضعت ثم أتت-فقال:فانطلقي وارضعيه حولين كاملين-فارضعته ثم عادت-فقال:انطلقي فاكفليه حتى يعقل ان ياكل ويشرب ولايتردى من سطح ولا يتهور في بئر"(2)،وهذا ما يدل على الاهتمام البالغ الذي اظهره الامام بحقوق الطفل وحياته،وتحقيق افضل حياة ممكنة وذلك بتهيأة المتطلبات المادية للطفل كحق اساسي له .
سادساً : الحقوق المادية للطفل
ويعني حق تهيأة المتطلبات المادية للطفل سواء من اسرته التي تتحمل بدورها المسؤولية المباشرة ، ام عن طريق المجتمع والدولة في مرحلة لاحقة في ضمن اطار (حق الضمان الاجتماعي)(3).
لقد فرض الامام على اولياء الطفل ان يستعدوا ماديا لاستقبال عنصر جديد في الاسرة قبل ولادة الطفل والاستمرار باداء الحق المادي للطفل حتى يعتمد على نفسه إذ ينقل (ع) عن الرسول (‏صلى الله عليه وآله) قوله : "كفى بالمرء اثما ان
____________
1- الفضل بن شاذان ، الايضاح ، تحقيق السيد جلال الدين الحسيني ، (د.م،د. ن ، د. ت) ، ص192 .
2- محمد التستري ، قضاء الامام علي ، مصدر سابق ، ص21 .
3- سنتطرق لاحقا لهذا الحق ، ونستعرض فيه بشكل خاص إلى حقوق الايتام عند الامام علي .
________________________________________ الصفحة 282 ________________________________________
يضيع من يقوت "(1) ، ويشير الامام ان كثرة الاطفال في الاسرة قد تكون عبأ اضافياً على كاهل معيل الاسرة ، وانها مسؤولية ينبغي الاستعداد لها ، إذ يقول (ع) : " قلة العيال احد اليسارين "(2) ، و " من اعظم البلاء ، كثرة العائلة ، وغلبة الدين ودوام المرض"(3)
ومن جانب اخر فان الامام رفض التعامل السلبي مع المتطلبات المادية للحياة حتى ان توشح برداء الدين ، فحين قال له احد اصحابه : " يا امير لمؤمنين اشكو اليك اخي عاصم بن زياد. قال : وما له . قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال عليَّ به .
فلما جاء قال الامام ، :يا عدي نفسه !لقد استهام بك الخبيث اما رحمت اهلك وولدك اترى الله احل لك الطيبات وهو يكره ان تاخذها انت اهون على الله من ذلك"(4).
وفي حادثة اخرى ان رجلا اراد ان يترك ميراثه - وكان قليلاً - وقفا لبعض اعمال البر فقال له الامام : " دع مالك لبنيك "(5) ، فالامام سعى لتحقيق وتهيأة المتطلبات المادية للابناء بشكل عام والطفل بوجه خاص ، والزم الاهل بالسعي الحثيث في هذا المضمار والتوسع على العيال وفق الامكانية المتاحة ، بل ان هذا الحق المالي الذي سعى الامام لترسيخه شمل
____________
1- النوري ، مصدر سابق ، ج51، ص256 .
2- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، حكمة 130 ، ص632؛ مدير ، مصدر سابق ، ج2، ص99.
3- النوري ، مصدر سابق ، ج13، ص388، حسن القبانجي ، مصدر سابق ، م9 ، ص220 .
4- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، خطبة 209 ، ص ص 407-408 .
5- محمد الطبري ، جامع البيان ، مصدر سابق ، ج2، ص165 .
________________________________________ الصفحة 283 ________________________________________
حتى الجنين في بطن امه اذ يقول (ع) : " ان نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتى تضع"(1).
وحفاظا على مال الغلام وكجزء من الرعاية المالية فقد كان الامام : " يحجر على الغلام المفسد حتى يصلح "(2) ويبدو ان هذا الاسلوب هو نوع من الاشراف الابوي يهدف للحفاظ على ثروات الشعب من جهة ورعاية ابناء المجتمع ممن لا يمتلكون القدرة والدراية بعد لادارة شؤونهم المالية من جهة اخرى .
ورفض الامام عمل الاطفال وحمل من يستخدم الاطفال ،وان كان لمساعدته فحسب ، المسؤولية القانونية لضمان سلامتهم إذ يقول (ع) :"من استعمل طفلا فهو ضامن "(3) ، إلا ان الامام لم يناد بمنع عمل الاطفال الذي قد يكون ايجابياً سواء بالنسبة للاسرة ام للطفل نفسه ولاسيما في المرحلة الثانية من عمره ولكن بتحقيق وضمان الشروط الصحية المهنية السليمة للعمل ، إذ ان الجانب العملي لايقل اهمية عن الجانب النظري او العلمي الذي يقود العمل ويحدده لكل المجتمع ، بصغارها وكبارها ، وهنا يبرز لنا حق التعليم عند الامام علي (ع) وهو ما سنتطرق اليه في المبحث التالي .
____________
1- الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، مصدر سابق ، ص510. كذلك ؛ فضل الله ، دنيا الطفل ، مصدر سابق ، ص ص 178 - 179
2- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج2، ص272 ؛ محمد التستري ، مصدر سابق ، ص171.
3- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج2 ، ص274 .
________________________________________ الصفحة 284 ________________________________________
المبحث الثالث
حق التعليم
لقد عد الامام (ع) نيل العلم والتعليم من اهم حقوق الانسان التي يجب ان يتم السعي الحثيث لتحقيقه ، ذلك ان من حق كل فرد ان يأخذ من التعليم ما ينير عقله ويرقى بوجوده ويعلو من شأنه حيث يخاطب (ع) الانسان قائلاً :" ان هذا العلم والادب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما فما يزيد من علمك وادبك يزيد من ثمنك وقدرك "(1) ،ان هذا الموقف من العلم يتوافق تماما مع مؤثرين هما :
- الشريعة الاسلامية متجسدة بالقرآن الكريم(2) والسنة النبوية(3) .
- المكانة العلمية التي ميزت الامام سواء في عهد الرسول (‏صلى الله عليه وآله) او بعده(4) حيث "ادرك علي العلم ادراك العالم الفاضل المجرب ، حتى جعله من اولويات رسالته وحث على طلبه حتى جعله نبراسا لامته تهتدي بسوابغه وتقتدي بنوره " (5) ، بل ان اهتمام الامام بالعلم
____________
1- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3، ص2066 .
2- يقول الله تعالى : { يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات } " سورة المجادلة/ الاية 11 . {وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون } سورة العنكبوت /الاية43.{ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } سورة الزمر / الاية 9 . { انما يخشى الله من عباده العلماء } سورة فاطر / الاية 28 . ويقول احد الباحثين ان "في القرآن اكثر من الف وخمسمائة اية تتحدث عن المواد الآتية (العلم (المعرفة ) (التعقل ) (التذكر) (التدبر )" . ينظر : صادق الشيرازي ، مصدر سابق ، ص245 .
3- حول بعض احاديث الرسول (‏صلى الله عليه وآله) في مدحه للعلم والعلماء انظر : الكراجي ، مصدر سابق ، ص239 ؛ عطاردي ، مصدر سابق ، ص165 ؛ الطوسي ، الامالي، مصدر سابق ، ص ص 288-521 .
4- تطرقنا إلى هذه المكانة في الفصل الأول ، المبحث الأول .
5- محمد مهدي الصدر ، أخلاق أهل البيت ، مصدر سابق ، ص229 .
________________________________________ الصفحة 285 ________________________________________
استمر حتى وهو على فراش الشهادة(1) .ولعل من اهم الابعاد التي حددها الامام بشأن حق التعليم هي :
أولا : رفع شأن العلم
لقد اعطى الامام علي للعلم جملة من المحددات التي فرضها به ليسمو ويكون حقا للانسان ولعل من اهم ما سعى اليه (ع) هو رفع شأن العلم حتى وصفه بانه "حياة وشفاء "(2) و"افضل الكنوز "(3) وهو " كنز عظيم لايفنى "(4) و"افضل شرف "(5) ، ويقول (ع) رابطاً بين رضا الله والعلم " اذا احب الله عبدا الهمه العلم"(6).
لقد احب الامام العلم واستوعبه وسبر غوره وعرف فوائده ونقل تجربته العملية ورؤيته النظرية بقوله (ع) " تعلموا العلم فان تعليمه حسنة وطلبه عبادة والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه...[ العلم ] سبل منازل الجنة والانيس في الوحشة والصاحب في الغربة ... والدليل على السراء والضراء والسلاح على الاعداء والزينة عند الاخلاء ويرفع الله به اقواما فيجعلهم للخير قادة وائمة يقتفى اثارهم ويقتضى بفعالهم وينتهي الى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم"(7)، ونلاحظ في هذا الجزء من كلام الامام
____________
1- قال الامام وهو على فراش الشهادة : " لاغنى اكبر من العقل .. ولا فقر مثل الجهل " المجلسي ، مصدر سابق ، ج75 ، ص111 ؛ الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3 ، ص2033 ؛ الطائي ، مصدر سابق ، م3، ج7، ص94 .
2- الواسطي ، مصدر سابق ، ص30 .
3- المصدر السابق ، ص25 .
4- المصدر السابق ، ص46 .
5- المصدر السابق ، ص35.
6- المصدر السابق ، ص133 .
7- الكراجي ، مصدر سابق ، ص539 ؛ الحر العاملي ، الفصول المهمة في معرفة الائمة، مصدر سابق ، ج1، ص469 .
________________________________________ الصفحة 286 ________________________________________
فلسفة ورؤية راقية للعلم واهميته وعده قيمة عليا سواء بمقياس الدين والدنيا والفرد والجماعة .
ويعد الامام العلم جزء من استمرارية الرسالة المحمدية إذ يقول : " وخلف فيكم [رسول الله(‏صلى الله عليه وآله) ] ما خلفت الانبياء من اممها اذا لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح ولا علم قائم "(1) ، والعلم احد دعائم العدل عند الامام اذ اجاب (ع) بعد ان سُئل عن دعائم العدل فقال : " والعدل منها على اربع شعب على غائص الفهم، وغور العلم وزهرة الحكم ورساخة الحلم "(2).
ويستشعر الامام الصراع داخل النفس البشرية او في الواقع الاجتماعي بين قيمة كل من المال والعلم ، فيحسم الامام المفاضلة لصالح العلم قائلاً لاحد تلامذته - كميل بن زياد - :" العلم خير من المال ، العلم يحرسك وانت تحرس المال، المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الانفاق وصنيع المال يزول بزواله .. والعلم حاكم والمال محكوم عليه . ياكميل هلك خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر " (3) . ويصير الامام من العلم معياراً لقياس قيمة الانسان اذ يقول (ع) : " اكثر الناس قيمة اكثرهم علما "(4) . ويقول (ع) : " انك موزون بعقلك فزكه بالعلم"(5) ، ويعلق باحث معاصر على هذا المعيار بان الامام " يبنى المجتمع على اسس رصينة ، بهذا
____________
1- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، خطبة 1، ص31 .
2- بيضون ، مصدر سابق ، ص756 .
3- المصدر السابق ، ص759 ؛ ويقول (ع) :" الناس موتى واهل العلم احياء " ؛ ابن عابدين ، مصدر سابق ، ص43 .
4- المجلسي ، مصدر سابق ، ج47، ص112 .
5- الواسطي ، مصدر سابق ، ص172
________________________________________ الصفحة 287 ________________________________________
فقد ذهب بالعلم مذهبا رفيعا ساميا حتى جعله دينا يدان به ومبدأ تؤخذ الرحمة من معالمه"(1) .
وبالمقابل فان الامام يرفع شعار ابادة الجهل من داخل الانسان والمجتمع على حد سواء إذ يقول (ع) :" الجهل معدن الشر "(2) وهو " اصل كل شر "(3) ، والجاهل لن يلقى ابداً الامفرطا ومفرطا"(4) ويصف الامام الجاهل بانه: " صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لايخضر عودها وارض لايظهر عشبها "(5) وانه "ابغض الخلائق عند الله تعالى "(6) وان " كل جاهل مفتون"(7) بل ان سبب اختلاف الاراء ومبدأ العداوات وتضارب التوجهات هم الجهال إذ يقول الامام : " لو سكت الجاهل ما اختلف الناس "(8) ، ويربط الامام بواقعية والمعية بين الفقر والجهل قائلاً (ع) :" لا فقر اشد من الجهل"(9).
ان ما يكنه الامام من تقديس للعلم جعله يهذب (العلم ) بجملة من المحددات المادية والمعنوية لعل من اهمها :
1- السعي لتحصيل العلم
عن سعي تحصيل العلم لوجه الله تعالى يقول (ع) :" تعلموا العلم فان تعلمه حسنة وطلبه عبادة "(10) ، وفي قول اخر : " خذوا من العلم ما بدا
____________
1- محبوبة ، مصدر سابق ، ص17 .
2- الواسطي ، مصدر سابق ، ض19 .
3- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ،ج1، ص 462 .
4- المصدر السابق ، ج1 ، ص463 .
5- المصدر السابق ، ج1 ، ص463 .
6- الواسطي ، مصدر سابق ، ص126 .
7- المصدر السابق ، ص377 .
8- المجلسي ، مصدر سابق ،ج57، ص 81 .
9- الطوسي ، الامالي ، مصدر سابق ، ص146 .
10- المجلسي ، مصدر سابق ، ج75 ، ص189 ؛ الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3 ، ص2065 ؛ ويقول (ع) :" تعلموا العلم ولو لغير الله فانه سيصير الى الله "؛ابن ابي الحديد ، مصدر سابق ،ج2، ص267.
________________________________________ الصفحة 288 ________________________________________
لكم واياكم ان تطلبوه لخصال اربع : لتباهوا به العلماء ، او تماروا به السفهاء ، او تراؤا به في المجالس او تصرفوا وجوه الناس اليكم للترؤس... نفعنا الله واياكم بما علمنا وجعله لوجهه خالصا "(1) .
2- العمل بالعلم :
ان دعوة الامام علي (ع) لاحترام العلم واشاعته كان في جوهره يهدف لرسم منهجاً لحياة تكون خطواتها بوحي من العلم إذ يقول (ع) :" ما من حركة الا وانت محتاج فيها الى معرفة"(2) ، ويؤكد(ع) على اهمية الجانب العملي للعلوم قائلا : " لا خير في علم لاينفع ولاينتفع بعلم لا يحق تعلمه "(3) وان "انفع العلم ما عمل به " (4) و " اعملوا بالعلم تسعدوا به"(5) وهنا تبرز في رؤية الامام " علاقة العلم بالعمل ، فالعلم ليس نظريا صرفا ليس خيالا او تجريدات معزولة عن الواقع، بل هو دليل مرشد للعمل الانساني ، الذي يعول عليه في صنع الحياة "(6) .
ان الامام يدعو الى ان يكون العلم هو الحاكم والضابط الموجه لحركة الفرد والمجتمع رافضا اية معايير اخرى ، إذ يقول (ع) :" ان العامل بغير علم كسائر على غير طريق ، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بُعداً عن حاجته والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح فلينظر ناظر اسائر هو ام راجع"(7) ، وان عملية الاصلاح هي بامس الحاجة الى العلم على وفق رؤيته(ع) اذ يقول "عشرة يفتون انفسهم
____________
1- المحمودي ، مصدر سابق ، ج3، ص25 .
2- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج2، ص110 .
3- بيضون ، مصدر سابق ، ص761 .
4- الواسطي ، مصدر سابق ، ص118 .
5- المصدر السابق ، 89 .
6- جاسم ، مصدر سابق ، ص25 .
7- بيضون ، مصدر سابق ، ص758 .
________________________________________ الصفحة 289 ________________________________________
وغيرهم [ ومنهم ] مريد للصلاح ليس بعالم"(1) ، اذاً هي دعوة للمجتمع وقادة الاصلاح لبناء المجتمع العلمي المبتعد عن الخرافات والخطوات الارتجالية والتي غالبا ما تبنى على فهم خاطئ ومواقف ورؤى شخصية وتنأى عن الاسس العقلانية والموضوعية التي يكون العلم فيها هو الدعامة الاساسية لاي حركة فردية او جماعية .
3- العلم غير النافع
لقد وقف الامام علي بالضد من بعض المعارف التي تخدع بعض الافراد وتساهم في تسويف وتعطيل القوى الحقيقية للمجتمع مثل التنجيم والسحر والكهانة (2) وبعض العلوم ذات الصبغة الدينية وهي ليست منه (3) .
ورفض الامام الانغماس في علم غير ذي جدوى ولا اثر ملموس ،فمثلا يقول(ع) : " لمن عاب خطأ احد اصحابه باعراب بعض الكلمات : " انما يراد باعراب الكلام تقويمه لتقويم الاعمال وتهذيبا ، ما ينفع [ فلانا ] اعرابه وتقويم كلامه اذا كانت افعاله ملحونة اقبح لحن"(4)، و " انكم الى اعراب الاعمال احوج منكم الى اعراب الاقوال "(5) .
____________
1- محمد كاظم القزويني ، مصدر سابق ، ج9، ص767 للمزيد حول موقف الامام من ربط العلم بالعمل ينظر : الناصري ، مصدر سابق ، ص72 ؛المحمودي ، مصدر سابق ، ج7 ، ص10 ؛ البلاذري،انساب الاشراف ، مصدر سابق، ص114 .
2- ينظر : القرطبي ، مصدر سابق ، ج91، ص29 . ويقول الامام علي عن التنجيم : " ايها الناس اياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدي به في بر وبحر ،فانها تدعو الى الكهانة والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار " الطائي ، مصدر سابق ، م2، ج2، ص55 ؛ كذلك : محمد الطبري ، جامع البيان ، مصدر سابق ، ج5، ص447 ؛القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ، ج7، ص44 .
3- يقول الامام (ع) : " ان كثيرا من الرقي والتمائم من الاشراك " . لجنة الحديث ، سنن الامام علي، مصدر سابق ، ص73 .
4- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج5 ، ص3267 .
5- المصدر السابق ، ج5 ، ص3266 .
________________________________________ الصفحة 290 ________________________________________
4- حرية نيل العلم
فضلاً عما تم ذكره سابقا في مسألة حق الحرية عند الامام الا انه يمكننا ان نشير الى تاكيده(ع) حرية البحث العلمي وتنوع مصادره إذ يقول :" الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا احق بها واهلها "(1) ، ويشيع الامام روح الحرية العلمية داخل المجموعة الاسلامية إذ فتح بابا الحوار والاستفسار بشتى ومختلف المسائل(2) . وابدى الامام احترامه للعلوم النافعة التي اشتركت فيها الانسانية باطيافها الفكرية والعقائدية كافة ، إذ يقول(ع) :" اعلم الناس من جمع علم الناس الى علمه " (3) ان عملية تحصيل العلم ورعاية شؤونه هو حق للانسان يحبب العمل الجاد لانجازه .
ثانياً : الاهتمام بعملية التعليم ومسؤولية الحاكم في عملية التعليم
ان اهمية العلم وسموه عند الامام علي قد انعكست على اهتمامه (ع) بعملية التعليم حيث القى الامام بمسؤوليتها على عاتق الحكومة اولاً والمجتمع ثانيا والفرد ثالثاً ، وتمتزج هذه الاطراف ككتلة لانجاز هذا الحق في المجتمع ، وهذه المسالة نراها شاخصة عند الامام سواء في المجال النظري او في الممارسة العملية .
لقد جعل الامام علي من الرسالة الاسلامية مسؤولية علمية ،ناهيك عن ابعادها الاخرى ، حيث يقول (ع) : " ان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاؤوا به "(4) ، ويروي الامام عن الرسول(‏صلى الله عليه وآله) قوله (ع) " خمسة لا يحل
____________
1- المجلسي ، مصدر سابق ، ج57 ،ص34 .
2- حول المسؤال عن تفسير بعض الايات القرانية ، انظر مثلا : محمد الطبري ، جامع البيان ، مصدر سابق ، ج5، ص447 والاسئلة في شتى الشؤون ينظر: الهندي ، مصدر سابق ، ج1، ص47 وما بعدها . حيث سأله احدهم " متى كان الله ؟ وغيرها من المسائل التي سبق ان تطرقنا اليها في الفصل الثاني ، المبحث الثالث.
3- المجلسي ، مصدر سابق ، ج47 ، ص112 .
4- القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ، ج3، ص47 .
________________________________________ الصفحة 291 ________________________________________
منعهن الماء والملح والكلأ والنار والعلم "(1) ، وهذه دعوة نبوية وجدت تطبيقها العملي في دولة الامام حيث اكد (ع) على مسؤولية الدولة من جهة وحق الفرد عليها من جهة اخرى اذ اكد نشر العلم واشاعته في المجتمع ويقول (ع) : "اما بعد فان لي عليكم حقا وان لكم علي حقا فاما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيما لا تجهلوا وتاديبكم كي تعلموا "(2).
وفي سبيل تعزيز العلم في قيادة المجتمع يجعل الامام من الشخصية العلمية الناضجة للحاكم احد الشروط والمواصفات التي سعى الى ايجادها في شخص الحاكم وسياسته حيث يصفه : " مذاكراً للعالم ، معلما للجاهل "(3) ، لذلك نرى انه حين تولى سدة الحكم مارس مما دعا اليه من احترام الحاكم للعلم واشاعته في المجتمع حيث روي عنه :" انه لما كان يفرغ من الجهاد يتفرغ لتعليم الناس والقضاء بينهم"(4)، بل ان الامام يجعل نشر العلم احدى دعائم شرعية حكمه إذ يقول (ع) : مخاطباً الامة " قد دارستكم الكتاب ، وفاتحتكم الحجاج ،وعرفتكم ما انكرتم "(5) ، ويعرب الامــام عن خشيته من ان يسود الجهل والضلال قيادة المجتمع إذ يفسر (ع) قوله تعالى " فاوجس في نفسه خيفة موسى "(6) بقوله " لم يوجس موسى خيفة على نفسه ، بل اشفق من غلبة الجهال ودول الضلال "(7) .
____________
1- النوري ، مصدر سابق ، ج21،ص435.
2- محمد الطبري ، تاريخ الطبري ، مصدر سابق ، ج4، ص68 ؛ابن قتيبة الدينوري ، الامامة والساسية ، مصدر سابق ، ج1، ص170 ؛البلاذري ، انساب الاشراف ، مصدر سابق ، ص380 .
3- لجنة الحديث ، سنن الامام علي ، مصدر سابق ، ص163 .
4- المصدر السابق ، ص73 .
5- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج2، ص862 .
6- سورة طه / الاية 67 .
7- القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ، ج3، ص128 .
________________________________________ الصفحة 292 ________________________________________
ان تحميل الامام للحاكم مسؤولية النهوض بالعلم لم يجعلها حكرا عليه انما هي مسؤولية جماعية وفردية كذلك حيث يقول (ع) :" تزاوروا واكثروا مذاكرة الحديث فان لم تفعلوا يندرس الحديث "(1) أي قيام العلوم ، ومنها علم الحديث ، ينتعش ويزدهر اذا تبناه المجتمع وتحول الى ثقافة عامة ،فالعلم ملك للجميع ، كل حسب قدرته ،وليس حكرا على فئة معينة ، وهو ما نجده في قوله (ع) :" ان الله لم ياخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى اخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال "(2) .
والامام يرسم الية وسياسة بذل العلم في المجتمع كحق له على الحاكم وقيادات المجتمع على وفق الابعاد الآتية :
1-تعليم صغار السن ،لقد دعا الامام للشروع بتعليم الاطفال في الامة إذ يقول (ع) : " تعلموا العلم صغارا تسودوا كباراً " (3) .
2-مجانية التعليم ، يمكننا القول ان الامام علي هو من اوائل الداعين الى مجانية التعليم ، بل انه مارس هذا النمط من التعليم اذ : " كان علي (ع) اذا صلى الفجر لم يزل معقبا الى ان تطلع الشمس فاذا طلعت اجتمع اليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلمهم "(4) .
ورفض الامام التسخير المادي والمالي للعلم وعده خطأ وخيانة لشرف حمل العلم . ناهيك عن الاضرار بالشعب والامة اذا كان العلم حكرا لفئة معينة وهنا يقول الامام :" لو ان حملة العلم حملوه بحقه لاحبهم الله واهل
____________
1- ابن عساكر ، مصدر سابق ، ج5، ص344 ؛ ابو عبد الله محمد الحافظ النيسابوري ، معرفة علوم الحديث ، تحقيق السيد معظم حسين ، ط4، (بيروت ، دار المعرفة ، د. ت) ، ص60 .
2- بيضون ، مصدر سابق ، ص762 .
3- محبوبة ، مصدر سابق ، ص15 .
4- المجلسي ، مصدر سابق،ج14،ص132 ؛لجنة البحوث ، سنن الامام علي ، مصدر سابق،ص73 .
________________________________________ الصفحة 293 ________________________________________
طاعته من خلقه ولكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم الله وهانوا على الناس "(1) . ويشير محمد باقر الحكيم الى ان منهج مجانية التعليم " يفسر لنا استمرار الزخم الثقافي وبقاء مراكز العلم والثقافة ... وان مجانية التعليم في مدارس اهل البيت (عليهم السلام) العلمية يعد احد المعالم والميزات الواضحة التي تتصف بها هذه المدارس ،والتي تمكنت بها من الثبات امام جميع الضغوط والمشكلات "(2) .
3-استمرارية التعليم ، حيث عد الامام التعليم هو حق لا يسقطه الظرف الطارئ الذي قد تمر به الامة ، حتى زمن الحروب فان من حق الجيوش تلقي العلم وتطوير المستوى الفكري لافرادها ويقول (ع) : " منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا"(3)، ويوصي الامام احد قادة الجيش قائلا : " اتق الله فاني قد وليتك هذا الجند ،فلا تستطلين عليهم وان خيركم عند الله اتقاكم ، وتعلم من عالمهم وعلم جاهلهم "(4) .
4-الاهتمام بالمؤسسات والمناهج العلمية ، إذ " اهتم ائمة اهل البيت (ع) ببناء المؤسسات الثقافية والعلمية والتشجيع على ايجادها وتاسيسها وتنشيطها لاسيما المؤسسات الثقافية التي كانت معروفة ومتداولة بين المسلمين ،مثل المسجد الذي يعد اول مؤسسة ثقافية عبادية عرفها المسلمون في مجتمعاتهم "(5) ، وقد اتخذ الامام من " جامع الكوفة معهدا يلقي فيه محاضراته الدينية
____________
1- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3 ، ص2079 ؛ الشرقاوي ، مصدر سابق ، ج1، ص353 .
2- محمد باقر الحكيم ، دور اهل البيت ، مصدر سابق ،ج1، ص127 .
3- الشريف الرضي (الجامع) نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، حكمة 477 ، ص698 .
4- المحمودي ، مصدر سابق ، ج8 ، ص327 ؛ ابن ابي الحديد ، مصدر سابق ، ج3 ، ص191 ؛ المجلسي ، بحار الانوار ، مصدر سابق ، ج33 ، ص465 .
5- محمد باقر الحكيم ، مصدر سابق ، ج1، ص133 .
________________________________________ الصفحة 294 ________________________________________
والتوجيهية .. وكان الامام هو المعلم والباعث للروح العلمية ... لقد كان (ع) المؤسس الاعلى للعلوم والمعارف في بناء الاسلام "(1) .
اما منهجه العلمي فذو ملامح واضحة منها استمرارية البحث العلمي ،بل انه(ع) على فراش الشهادة يقول : " سلوني قبل ان تفقدوني "(2) ،كذلك الاعتماد على استيعاب التطور العلمي، إذ رفض (ع) مسالة عدم كتابه القرآن او السنة النبوية بل انه شرع بنفسه بجمع القرآن وتدوين معظم السنة بغض النظر عن التوجه السياسي والعلمي انذاك ومسوغاته حول هذه القضية(3)، واثبت التاريخ والواقع الاسلامي ان منهج الامام كان هو الاصوب ، وكان (ع) يقول : " قيدوا العلم بالكتابة "(4) ،ويحدد الامام انواع العلوم من ناحية نشرها بقوله : " العلم علمان : مطبوع ومسموع ولاينفع المسموع اذا لم يكن مطبوعاً "(5) ان تاكيد الامام المطبوع يعد تطوراً مهماً في المنهجية العلمية انذاك .
وهناك مساحات مهمة لتطوير العلوم عند الامام منها لجؤه (ع) الى اسلوب التطبيق المباشر ولاسيما بصدد تعليم الشعائر الدينية (6) ، فضلاً عن
____________
1- القرشي ، حياة الامام الحسين ، مصدر سابق ، ص416 .
2- المجلسي،مصدر سابق، ج42 ، ص290 ؛القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ، ج11، ص262 .
3- ينظر : الطباطبائي ، الميزان ، مصدر سابق ، ج81،ص118؛ علي الكوراني العاملي ، تدوين القرآن، (قم ، دار القرآن الكريم ، د. ت) ، ص20 ، ص214 ، ص215، ابو الفضل مير محمدي الزرندي ، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، (قم ، مؤسسة النشر الاسلامي ، 1420هـ) ، ص127. ويقول الباحث محمود ابو رية: ان اول من دون الحديث النبوي هو نفسه امير المؤمنين " محمود ابو رية ، اضواء على السنة المحمدية ، مصدر سابق ، ص272. الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج1، ص6 .
4- ابو بكر البغدادي ، مصدر سابق ، ج8، ص ص3 .
5- المجلسي ، مصدر سابق ، ج75 ،ص80 .
6- البلاذري ، انساب الاشراف ، مصدر سابق ، ص180 ؛ المنقري ، مصدر سابق ، ص146 .
________________________________________ الصفحة 295 ________________________________________
تاكيده التجربة لتقييم القوانين العلمية حيث يقول (ع) : " في التجارب علم مستانف "(1) ، وقرر الامام ان البرهان والدليل هو طريق البحث العلمي ،وان الحق حق انكره الناس ام قبلوه اذ يقول (ع) "رأس الحكمة لزوم الحق"(2) ، ويقول ايضاً :" اعقلوا الخبر عقل رعاية لا عقل رواية ،فان رواة العلم كثير ورعاته قليل "(3) فهي دعوة منه(ع) للابداع العلمي والابتعاد عن الانماط التقليدية .
5- حق التطور العلمي ، لقد اوجب الامام على الحكومة النهوض باعباء تحقيق حق التطور العلمي على وفق محورين :
أ- اقامة وتشجيع العلوم التي تحتاج اليها الامة في عملية تطورها او ما تفرضه الحاجة من الاستناد الى علوم تسهم في حل المشاكل الانية والمستقبلية حيث نلاحظ انه (ع) اول من بادر لوضع المناهج وابتكار العلوم ذات البعد المجتمعي المهم ومنها علم النحو وعلم الفقه وعلم تفسير القرآن وعلم الفلك والحساب وعلم الحيوان وعلم الكلام والطبيعة والفيزياء والكهرباء وعلم الطب وعلم الجيولوجيا (4) .
____________
1- القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ، ج7، ص36 .
2- الواسطي ، مصدر سابق ، ص263 ، الريشهري ، ميزان الحكمة ، ج1 ، ص673 ، وينظر كذلك : محمد حسين الطباطبائي ، علي والفلسفة الاسلامية ، (بيروت ، الدار الاسلامية ، د. ت) ، ص41 .
3- بيضون ، مصدر سابق ، ص755 .
4- حول هذه المواقف العلمية وتطورها على يد الامام (ع) انظر : القرشي ، موسوعة امير المؤمنين ، مصدر سابق ،ج7، ص ص9-52 ؛ محمد باقر الحكيم ، دور اهل البيت ، مصدر سابق ، ص ص118-119؛ محبوبة ، مصدر سابق ، ص ص110-127؛ ابن المصباح مجاهد بن جبر التابعي ، تفسير مجاهد ، تحقيق عبد الرحمن الطاهر (اسلام اباد، مجمع البحوث الاسلامية ، د. ت) ، ص10 ؛ علي اكبر الكلانتري ، الجزية واحكامها في الفقه الاسلامي، (قم ، مؤسسة النشر الاسلامي ، 1416هـ) ، ص59 وما بعدها ؛ المجلسي، مصدر سابق، ج55 ، ص235 وما بعدها ؛ الهندي ، مصدر سابق ، ج61 ، ص268 ؛ محمد بن اسحاق (ابن النديم) ، الفهرست ، (بيروت ، دار المعرفة ، 1978) ، ص30 ؛ ابن حنبل ، مسند الامام احمد ، مصدر سابق، ج1، ص159 ؛ ابو عبد الله البخاري ، مصدر سابق ، ج1، ص190 ؛ الحر العاملي، الفصول المهمة في معرفة الائمة ، مصدر سابق ، ج1 ، ص684 .
________________________________________ الصفحة 296 ________________________________________
ب- الاستعداد لمواجهة التحدي الحضاري العلمي للامم الاخرى وهو ما قام به الامام إذ كانت المواجهة على ناحيتين ، على وفق رؤية محمد باقر الصدر ، الذي يذهب الى ان الامة كانت " على ابواب توسع هائل ضخم يضم شعوبا لا تعرف شيئا اصلا عن النظرية الاسلامية للحياة ... انما تعرف الواقع الذي يتجسد خارجا والذي عاشته كواقع وهو ان فاتحا مسلما سيطر على بلادها"(1). هذا من الناحية السياسية ، اما من الناحية الفكرية فان " الثقافات الموجودة في بلاد كسرى وقيصر واصول الجاهلية الفارسية والهندية والكردية والتركية فضلاً عن اجتثاث الجاهلية العربية... هذه الجاهليات التي كانت كل واحدة منها تحتوي على قدر كبير من الافكار والمفاهيم"(2) ، وكان موقف الامام علي (ع) من هذين التحديين وفق قول محمد باقر الصدر : " التخطيط لحماية الاسلام من ان يندرس وان يبث الوعي في المسلمين والشعوب الجديدة معاً "(3) .
وكان الاسلوب المتبع لهذا الوعي هو العلم والمحاججة العلمية فقد ذكر لنا التاريخ " العديد من الاسئلة التي تقدم بها علماء اهل الكتاب بهدف احراج المسلمين وانتزاع ثقتهم بانفسهم ورسالتهم"(4) ، و " لقد استطاع علي من خلال تصدياته لكل الاسئلة والاحراجات العلمية سواء ما تقدم بها علماء اهل الكتاب اوما خاض فيها المسلمون انفسهم ان يقنع الامة جميعا بانها تملك الحقيقة وتملك التفوق على كل الخصوم وان رسالتهم لا تنفذ ولا تعجز عن
____________
1- محمد باقر الصدر ، الامام علي سيرة وجهاد ، مصدر سابق ، ص113 .
2- المصدر السابق ، ص112 .
3- المصدر السابق ، ص ص113-114 .
4- صدر الدين القبنجي ، مصدر سابق ، ص132 .
________________________________________ الصفحة 297 ________________________________________
اجابتهم عند كل نداء"(1). ويمكننا تطوير آلية القيام بالواجب والدور الذي اداه الامام في عصره الى صيغة عمل المؤسسات واحتضان العلماء والمفكرين لانجاز حق التطور العلمي للامة .
6- رقابة العلم والعلماء: ان المقصود من هذه المقولة ليس فرض نوع من الرقابة العسكرية للسلطة المركزية على نمط معين من العلوم او التضييق على العلم والعلماء لدرجة قتل الابداع ، وانما الغرض من هذه الرقابة هو متابعة المسيرة العلمية حفاظاً عليها من الزلل والانحراف وما ينجم عن ذلك من خلل ينعكس سلباً على المجتمع والامة . فالدور الاساسي الذي رسمه الامام علي للعلم والعلماء في تطوير الامة وقيادتها ، قابله تشكيل نوع من السيطرة من قبل الحكومة الشرعية العادلة على مسيرة التعليم سواء من ناحية مادة التعليم ، او الرقابة على العلماء ، إذ يشخص الامام الدور الخطير الذي تؤديه هذه الفئة في المجتمع إلى درجة عد فيها زلل العالم احد سبع مصائب
عظام (2).
ويحدد الامام الصفات السلبية التي قد تصيب بعض العلماء حيث حذر الامام من العالم المتجبر (3) او المفرط (4) او المنافق (5) او الفاجر(6) او الطماع (7) او محب الرئاسة (8) او الكذاب(9) او المحاسد(10) والمسوف (11) .
____________
1- المصدر السابق ، ص136-137 .
2- يقول (ع) : سبع مصائب عظام 000 عالم زل " ، المحمودي ، مصدر سابق ، ج3، ص245 .
3- اذ يقول : "ابغض العباد الى الله سبحانه العالم المتجبر" ، صادق الموسوي ، مصدر سابق ، ص188.
4- اعظم الناس وزرا العلماء المفرطون "المصدر السابق ، ص188 .
5- " اعلموا رحمكم الله انكم في زمان .. عالمهم منافق "، الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، خطبة 232 ، ص449.
6- " افة العامة العالم الفاجر " ، صادق الموسوي ، مصدر سابق ، ص190 .ويقول (ع) " قصم ظهري اثنان عالم متهتك " ، حسن القبانجي ، مصدر سابق ، ج9 ، ص190 .
7- " كم عالم قد اهلكته الدنيا " ، المصدر السابق ، ج9 ، ص191.
8- " افة العلماء حب الرياسة " ، المصدر السابق ، ج9 ، ص191 .
9- " لاخير في علوم الكذابين " ، المصدر السابق ، ج9 ، ص193 .
10- " ان الله يعذب الامراء بالجور والعلماء بالحسد " ، المصدر السابق ، ج9 ، ص192 .
11- " جاهلكم مزداد وعالمكم مسوف " ،الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي، مصدر سابق ، حكمة 274 ، ص664 .
________________________________________ الصفحة 298 ________________________________________
اما النوع الاخر من الذين يفترض مراقبتهم فهم اشباه العلماء او من وصفهم الامام بقوله: "ابغض الناس الى الله عز وجل رجل قمش علماً في اغمار من الناس ... سماه الناس عالما وليس به "(1) ،واعتبر الامام هؤلاء او هذه الفئة من اكثر الفئات سلبية في المجتمع إذ يقول(ع): " عشرة يفتنون انفسهم وغيرهم : ذو العلم القليل يتكلف ان يعلم الناس كثيرا...مريداً للصلاح ليس بعالم "(2) .
ويحذر الامام من علماء الفتنة ومفتعلي الازمات الساعين بذلك افساد المجتمع برمته إذ يقول(ع) :" يأتي على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه و من القرآن إلا رسمه ، يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب ، شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود " (3).
وكان الامام يصر على معرفة المستوى العلمي ، ولاسيما للعلماء الذين يتصدون للاصلاح في المجتمع وفي مقدمتها مجالات العلوم والاصلاح الديني ، إذ قال الامام لمن جلس للناس يعظهم ويرشدهم : اعلمت الناسخ من المنسوخ ؟ فضلاً عن اسئلة اخرى ليعرف مدى قدرته العلمية فاذا اجاب
____________
1- ابن عساكر ، مصدر سابق ، ج24 ، ص505 .
2- المجلسي ، مصدر سابق ، ج47 ، ص400 .
3- القرطبي ، مصدر سابق ، ج21 ، ص280 .
________________________________________ الصفحة 299 ________________________________________
بشكل صحيح سمح له الامام باداء دور الاصلاح (1) اما اذا اخطأ فانه يمنعه من ذلك حتى يتمكن من العلم ، بل انه قال لاحدهم : " هلكت واهلكت "(2) .
ان تاكيد الامام على البعد الشخصي والعلمي للعلماء هو جزء من اهتمامه البالغ بالعلم من ناحية وبحملته من العلماء من ناحية اخرى ، وما فرضه على الدولة والمجتمع من احترام لحقوق العلماء مؤكداً ان احترام هذه الحقوق جزء من الية انجاز حق التعليم في الامة .
ثالثاً : حقوق العلماء
يتعامل الامام (ع) مع العلماء بوصفهم قيمة عليا في الامة ، يجب ان تراعى حقوقها اما اهم تلك الحقوق وفق رؤية الامام (ع) فهي :
1. حق الحياة والامن
ان هذا الحق لا يؤخذ بمعزل عن ما ذكرناه سابقا من حق الحياة ، إلا ان التأكيد على حفظ حياة العلماء هو جزء من اهتمام الامام بالعالم ، لذا فانه (ع) قد نظر الى حياة العالم بقدسية عالية إذ يقول (ع) :" اذا مات المؤمن العالم ، ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شيء الى يوم القيامة"(3).
وبالنسبة للامن فان الامام قد جعله حقا للعلماء سواء امنهم الشخصي ام الفكري ، حيث يقول الامام واصفا الحكومات الفاسدة : " اما والله ان ظهروا
____________
1- حول هذا الموقف ينظر : أحمد بن عمرو بن ابي عاصم الشيباني ، المذكر والتذكير والذكر ، تحقيق خالد قاسم، (الرياض ، دار المنار، 1413هـ) ، ص99 وما بعدها . وسأل احدهم : " ما ثبات الايمان وزواله ؟ " ينظر: الهندي ، مصدر سابق ، ج1، ص282 .
2- ابو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ، زاد المسير في علم التفسير ، تحقيق محمد عبد الرحمن عبد الله ، ج2 ، (بيروت ، دار الفكر ، 1987) ، ص291 .
3- بيضون ، مصدر سابق ، ص762












توقيع :




سأظلُ أمشِي وَ الحنينُ يَدُلُنِي . .

وَ فُراتُ رُمشِي بِ الخشُوع يَبُلُنِي . .
لا تسَألُوا سَفَريِ لأيَن
وَ الشوقُ موطِنهُ الحُسَين
هُو مَن دعَانِي خَادِمي حَياكَ لِي
فَ أجبتُه آتٍ فِداكَ أبَا عَلِي ♥



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور زينب الحوراء   رد مع اقتباس
قديم 07-12-2011, 11:08 PM   المشاركة رقم: 3
**معلومات العضو**
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية زينب الحوراء

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 217
المشاركات: 2,441 [+]
بمعدل : 1.79 يوميا
اخر زياره : 07-05-2014 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13


الإتصالات
الحالة:
زينب الحوراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

آخر مواضيعي
كاتب الموضوع : زينب الحوراء المنتدى : {« سفينة النجاة »}
افتراضي رد: بحر من الأخلاق و العطاء والطيبة والقوة هؤلاء هم أهل بيت النبوة


الإمام الحسن «عليه السلام» كريم أهل البيت

هو الإمام الحسن بن أمير المؤمنين علي عليهما السلام، وأمه فاطمة بنت رسول الله عليها وعلى أبيها أفضل الصلاة وأتم التسليم، هو نقي، الطيب، الزكي، المجتبى، المولود في الخامس عشر من رمضان، أول أهل الكساء، وأول أحفاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذين طهرهم تطهيرا، وأذهب عنهم الرجس، وباهل أهل نجران به وأوجب الله ودهم، وهو من جملة الثقلين.


ميلاده الكريم:
في ليلة النصف من شهر رمضان كان علي وفاطمة عليهما السلام ينتظران وليديهما الأول، ما أشد فرحتهما وهما يعلمان أن وريث الإمامة وحامل لواء الرسالة، وفي نهار اليوم التالي أطل الإمام الحسن عليه السلام إلى العالم الجديد وغمرة الفرحة والدته الطاهرة عليها السلام، وهكذا سر الإمام علي عليه السلام بولده وقرة عينه، فحمله على صدره وضمه إليه بكل سرور، وأوصلوا خبره إلى جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فجاء إلى بيت الإمام علي عليه السلام وحمل الحسن وطلب من فاطمة أن تناوله خرقة بيضاء جاء بها جبرئيل من الجنة فلفه بها وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وعق عنه كبشاً وقال: اسمه الحسن، لأن الله تعالى انتخب له هذا الاسم المبارك القليل التداول عند العرب.


الحسن مع جده:
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمل الحسن على كتفه أمام الناس ويكثر من تقبيله والاهتمام به ومحاورته بألطف الكلمات وأرق الألفاظ وإظهار كل ذلك أمام الآخرين ليدركوا عظمة الحسن عليه السلام ولتكون للحسن أرضية جماهيرية جيدة في المستقبل تتحرك معه بكل وعي وفهم لمنزلة ودور الإمام الحسن عليه السلام ومنذ نعومة أظافر الحسن أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الحسن والحسين إمامان وأنهما قدوة وأسوة ومثل.


ذكاء الحسن:
يروى أن الحسن عليه السلام كان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن سبع سنين أو أقل فيسمع خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن النازلة تواً ثم يأتي إلى والدته الطاهرة في البيت فيلقي إليها ما سمعه دون زيادة أو نقصان وعندما يرجع الوالد الكريم الإمام علي عليه السلام إلى بيته يجد زوجته لديها إطلاع تام بخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعندما يسألها عن ذلك تقول له: من ولدك الحسن.


الحسن.. الشاهد:
لقد كان الشاهد على وفاة جده وأمه وأبيه عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، كان الشاهد على مؤامرة السقيفة واغتصاب حق أبيه في الخلافة وحق أمه في فدك فيما بعد والاستهانة بمقامها العظيم ليضرموا النار ببابها ويسقطوا جنينها، نعم هو الشاهد على انثلام الدين وتأخر الإسلام والمسلمين.


عبادة الحسن عليه السلام:
يعلمنا المعصوم عليه السلام أمراً في غاية الروعة وهو:
ـ أن العبادة لا تعني أن ينعزل الإنسان عن المجتمع.
ـ أن العبادة ليست مجرد طقوس دينية.
ـ أن العبادة لا تعني التخلص من التكليف الشرعي.
بل أن العبادة تعني أن يعيش الإنسان الخوف من الله دائماً وإذا تعزز هذا الشعور في ضمير الإنسان فإنه لا يظلم ولا يسرق ولا يكذب ولا يرتكب الموبقات.


ثورة الحسن عليه السلام:
لقد قام الإمام الحسن والحسين عليهما السلام بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن عليه السلام بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قام بأدائه سيد الشهداء عليه السلام بقيامه المقدس الدامي.
وقد سبق أن مسؤولية الإمام الحسن عليه السلام كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الإمام الحسين عليه السلام، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وترديد لابد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.


لماذا الجهاد ضد معاوية:
هنا سؤال يطرح نفسه وهو إذا كان دور الإمام الحسن عليه السلام الإعداد والتهيئة للثورة، لماذا أقدم على محاربة معاوية بحرب محكومة بالفشل حسب الظاهر، ثم قبل بالصلح وانسحب من ميدان المعركة؟
وفي الجواب يمكن القول:
بأن الثوار والنهضويين بحاجة دائماً إلى الحركة والفعالية حتى يتمكنوا من توعية المجتمع، من فوائد هذا التحرك جذب العناصر الصالحة واللائقة وكشف معايب العدو.


صلح الحسن عليه السلام:
إن من يلاحظ حياة الإمامين الهمامين الحسن والحسين عليهما السلام يجد ارتباطاً وثيقاً بين دور الإمام المجتبى عليه السلام وأخيه الإمام الحسين عليه السلام إلا أن الإمام المجتبى عليه السلام تعرض إلى لوم من قبل بعض الناس الذين لا يتمتعون ببعد النظر ودقة الرأي وصحيح العقيدة، فإن الامتحان الإلهي والتكليف الرباني الذي قام به الإمام عليه السلام كان صعباً جداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه وحق أخيه عليهما السلامنقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلةهذان إبناي إمامان قاما أو قعدا).
إن الإمام الحسن عليه السلام نهض أيضاً إلا أن نهضته المباركة انتهت بالصلح، ولم يتمكن بحسب الظاهر من القضاء على معاوية، وإن كان الأسلوب الذي اتخذه الإمام عليه السلام قضى على شرعية معاوية وبين للتاريخ الخط الصحيح في الإسلام من الخط المنحرف، وحفاظاً على الشيعة الذين أراد معاوية القضاء عليهم بأكملهم، والذين كانوا يمثلون الخط الصحيح الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


وصايا الحسن عليه السلام:
*يا ابن آدم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فجد بما في يديك فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع.
*غسل اليدين قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي الهم.
*علم الناس علمك وتعلم علم غيرك فتكون قد أنقت علمك وعلمت ما لم تعلم.
*حسن السؤال نصف العلم.

" (ما يختص بالامام الزكى سيد شباب اهل الجنة) "
1 - عم: الكليني، عن علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم ابن عمر اليماني، عن سليم بن قيس قال: شهدت أميرالمؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: يابني أمرني رسول الله أن اوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضر الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ثم أقبل على ابنه الحسين فقال: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه واله) أن تدفعها إلى ابنك هذا ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه واله) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله ومني السلام.
2 - عم: الكليني، عن عدة من أصحابه، عن ابن عيسى، عن الاهوازي عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
3 - عم: الكليني، عن علي، عن أبيه، عن أبي عمير، عن عبدالصمد ابن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أميرالمؤمنين لما حضره الوفاة قال لابنه الحسن: ادن مني حتى اسر إليك ما أسر إلي رسول الله وأئتمنك على ما ائتمنني عليه، ففعل.
4 - عم: بإسناده يرفعه إلى شهر بن حوشب أن عليا (عليه السلام) لما سار إلى الكوفة استودع ام سلمة كتبه والوصية، فلما رجع الحسن دفعتها إليه (1).

(معجزاته صلوات الله عليه) " *
1 - ير: الهيثم النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن عبدالله الكناسي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في بعض عمره ومعه رجل من ولد الزبير كان يقول بامامته، قال: فنزلوا في منهل من تلك المناهل قال: نزلوا تحت نخل يابس قد يبس من العطش: قال: ففرش للحسن (عليه السلام) تحت نخلة وللزبيري بحذائه تحت نخلة اخرى قال: فقال الزبيري ورفع رأسه: لو كان في هذا النخل رطب لاكلنا منه، قال: فقال له الحسن (عليه السلام): وإنك لتشتهي الرطب؟
قال: نعم فرفع الحسن (عليه السلام) يده إلى السماء فدعا بكلام لم يفهمه الزبيري فاخضرت النخلة ثم صارت إلى حالها فأورقت وحملت رطبا قال: فقال له الجمال الذي اكتروا منه: سحروالله، قال: فقال له الحسن: ويلك ليس بسحر ولكن دعوة ابن النبي مجابة، قال: فصعدوا إلى النخلة حتى صرموا مما كان فيها ما كفاهم (1).
يج: عن عبدالله مثله.
بيان: قال الجوهري: المنهل المورد وهو عين ماء ترده الابل في المراعي وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار مناهل، لان فيها ماء، قوله " إلى حالها " أي قبل اليبس وفي الخرائج فاخضرت النخلة وأورقت.
2 - يج: روي عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) أن الحسن (عليه السلام) قال يوما لاخيه الحسين ولعبد الله بن جعفر: إن معاوية بعث إليكم بجوائزكم وهي تصل إليكم يوم كذا لمستهل الهلال، وقد أضاقا، فوصلت في الساعة التي ذكرها لما كان رأس الهلال فلما وافاهم المال كان على الحسن (عليه السلام) دين كثير فقضاه مما بعثه إليه ففضلت فضلة ففرقها في أهل بيته ومواليه، وقضى الحسين (عليه السلام) دينه وقسم ثلث ما بقي
_______________
(1) تراه في الكافى ج 1 ص 462. أيضا وفيه: عن القاسم النهدى فراجع. (*)

===============
( 324 )
في أهل بيته ومواليه وحمل الباقي إلى عياله، وأما عبدالله فقضى دينه وما دفعه إلى الرسول ليتعرف معاوية من الرسول ما فعلوا، فبعث إلى عبدالله أموالا حسنة.
بيان: قال الجوهري: ضاق الرجل أي بخل وأضاق أي ذهب ماله.
3 - يج: روي عن مندل بن اسامة (1) عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) أن الحسن (عليه السلام) خرج من مكة ماشيا إلى المدينة، فتورمت قدماه، فقيل له: لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم، فقال: كلا ولكنا إذا أتينا المنزل فانه يستقبلنا أسود معه دهن يصلح لهذا الورم فاشتبروا منه ولا تما كسوه، فقال له بعض مواليه: ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء؟ فقال: بلى إنه أمامنا وساروا أميالا فاذا الاسود قد استقبلهم، فقال الحسن لمولاه: دونك الاسود فخذ الدهن منه بثمنه فقال الاسود: لمن تأخذ هذاالدهن؟ قال: للحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) قال:
انطلق بي إليه.
فصار الاسود إليه فقال الاسود ياابن رسول الله إني مولاك لا آخذله ثمنا ولكن ادع الله أن يرزقني ولدا سويا ذكرا يحبكم أهل البيت فاني خلفت امرأتي تمخض، فقال: انطلق إلى منزلك فان الله تعالى قد وهب لك ولدا ذكرا سويا فرجع الاسود من فوره فاذا امرأته قد ولدت غلاما سويا ثم رجع الاسود إلى الحسن (عليه السلام) ودعاله بالخير بولادة الغلام له وإن الحسن قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام عن موضعه حتى زال الوروم.
4 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي بن النعمان، عن صندل، عن أبي اسامة مثله إلى قوله فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا.
_______________
(1) كذا في النسخ المطبوعة والصحيح: عن صندل، عن أبى اسامة - وهو زيد الشحام - كما تراه في هذه الصفحة تحت الرقم 4 عن الكافى ج 1 ص 463 وقد رواه ابن شهر - آشوب في المناقب عن ابى اسامة مرسلا على عادته، تراه في ج 4 ص 7. راجع جامع الرواة أيضا. (*)

===============
( 325 )
أقول: قد أوردنا كثيرا من معجزاته في باب ما جرى بينه (عليه السلام) وبين معاوية وباب وفاته وغير هما.
5 - يج: روي أن عليا (عليه السلام) كان في الرحبة فقام إليه رجل فقال: أنا من رعيتك وأهل بلادك؟ قال (عليه السلام): لست من رعيتي ولا من أهل بلادي، وإن ابن الاصغر (1) بعث بمسائل إلى معاوية فأقلقته وأرسلك إلي لاجلها، قال: صدقت يا أمير المؤمنين إن معاوية أرسلني إليك في خفية وأنت قد اطلعت على ذلك ولا يعلمها غير الله.
فقال (عليه السلام): سل أحد ابني هذين، قال: أسأل ذاالوفرة (2) يعني الحسن فأتاه فقال له الحسن: جئت تسأل كم بين الحق والباطل؟ وكم بين السماء والارض؟
وكم بين المشرق والمغرب؟ وما قوس قزح؟ وما المؤنث؟ وما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض؟ قال: نعم.
قال الحسن (عليه السلام): بين الحق والباطل أربع أصابع، ما رأيته بعينك فهو حق وقد تسمع باذنيك باطلا، وبين السماء والارض دعوة المظلوم، مد البصر وبين المشرق والمغرب مسيرة يوم للشمس، وقزح اسم الشيطان، وهو قوس الله وعلامة الخصب وأمان لاهل الارض من الغرق، وأما المؤنث فهو الذي لا يدرى أذكر أم انثى فانه ينتظر به فان كان ذكرا احتلم وإن كانت انثى حاضت وبدا ثديها وإلا قيل له: بل! فان أصاب بوله الحائط فهو ذكر وإن انتكص بوله على
_______________
(1) يريد ملك الروم قال الفيروز آبادى: وبنو الاصفر ملوك الروم أولاد الاصفربن روم بن يعصو ابن اسحاق، أولان جيشا من الحبش غلب عليهم فوطئ نساءهم فولدهم أولاد صفر.
(2) أى صاحب الوفرة والوفرة - بالفتح الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الاذنين منه أوما جاوز شحمة الاذن ثم بعدها الجمة ثم اللمة، وبذلك وصف شعر رسول الله (صلى الله عليه واله) حيث قالوا: " كان شعره وفرة واذا طال صارت جمة ". (*)

===============
( 326 )
رجليه كما ينتكص بول البعير، فهو انثى (1).
وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فأشد شئ خلق الله الحجر وأشد منه الحديد يقطع به الحجر، وأشد من الحديد النار تذيب الحديد، وأشد من النار الماء، وأشد من الماءالسحاب، وأشد من السحاب الريح تحمل السحاب وأشد من الريح الملك الذي يردها، وأشد من الملك ملك الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، وأشد من الموت أمر الله الذي يدفع الموت.
6 - قب: محمد بن إسحاق بالاسناد جاء أبوسفيان إلى علي (عليه السلام) فقال: يا أبا الحسن جئتك في حاجة، وفيم جئتني؟ قال: تمشي معي إلى ابن عمك محمد فتسأله أن يعقد لنا عقدا ويكتب لنا كتابا، فقال: يا أبا سفيان لقد عقد لك رسول الله عقدا لا يرجع عنه أبدا وكات فاطمة من وراء الستر، والحسن يدرج بين يديها وهو طفل من أبناء أربعة عشر شهرا فقال لها: يابنت محمد! قولي لهذا الطفل يكلم لي جده فيسود بكلامه العرب والعجم، فأقبل الحسن (عليه السلام) إلى أبي سفيان وضرب إحدى يديه على أنفه والاخرى على لحيته ثم أنطقه الله عزوجل بأن قال: يا أبا سفيان! قل لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى أكون شفيعا فقال (عليه السلام): الحمد الله الذي جعل في آل محمد من ذرية محمد المصطفى نظير يحيى بن زكريا " وآتيناه الحكم صبيا " (2).
أبوحمزة الثمالي، عن زين العابدين (عليه السلام) قال: كان الحسن بن علي جالسا
_______________
(1) قال الفيزوز آبادى: المؤنث: المونث وهو الرجل المشبه المرأة في لينه ورقة كلامه وتكسر أعضائه.
(2) هذه القصة مذكورة في كتب السير عند ذكر فتح مكة سنة ثمان للهجرة حين جاء أبوسفيان إلى رسول الله ليبرم عهد المشركين ويزيد في مدته، راجع سيرة ابن هشام ج 2 ص 396، المناقب ج 1 ص 206، ارشاد المفيد ص 60، اعلام الورى ص 66.
فقد كان - على هذا - لحسن بن على (عليهما السلام) عامئذ خمس سنين، لا أربعة عشر شهرا كما زعم. (*)

===============
( 327 )
فأتاه آت فقال: ياابن رسول الله قد احترقت دارك؟ قال: لا، ما احترقت. إذ أتاه آت فقال: ياابن رسول الله: قد وقعت النار في دار إلى جنب دارك حتى ماشككنا أنها ستحرق دارك ثم إن الله صرفها عنها.
واستغاث الناس من زياد إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فرفع يده وقال: اللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه وأرنا فيه نكالا عاجلا إنك على كل شئ قدير قال: فخرج خراج في إبهام يمينه يقال لها: السلعة، وورم إلى عنقه، فمات.
ادعى رجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) ألف دينار كذبا ولم يكن له عليه فذهبا إلى شريح فقال للحسن (عليه السلام): أتحلف؟ قال: إن حلف خصمي اعطيه فقال شريح للرجل: قل بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. فقال الحسن: لا اريد مثل هذا لكن قل: بالله إن لك علي هذا، وخذ الالف. فقال الرجل ذلك وأخذ الدنانير فلما قام خر إلى الارض ومات، فسئل الحسن (عليه السلام) عن ذلك، فقال:
خشيت أنه لو تكلم بالتوحيد يغفرله يمينه ببركة التوحيد، ويخجب عنه عقوبة يمينه.
محمد الفتال النيسابوري في مونس الحزين بالاسناد، عن عيسى بن الحسن عن الصادق (عليه السلام): قال بعضهم للحسن بن علي (عليهما السلام) في احتماله الشدائد عن معاوية فقال (عليه السلام) كلاما معناه: لودعوت الله تعالى لجعل العراق شاما والشام عراقا وجعل المرأة رجلا والرجل امرأة فقال الشامي: ومن يقدر على ذلك؟ فقال (عليه السلام): انهضي ألا تستحين أن تقعدي بين الرجال، فوجد الرجل نفسه امرأة ثم قال: وصارت عيالك رجلا وتقاربك وتحمل عنها وتلد ولدا خنثى فكان كما قال (عليه السلام): ثم إنهما تابا وجاءا إليه فدعا الله تعالى فعادا إلى الحالة الاولى.
الحسين بن أبي العلاء (1) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال الحسن بن علي (عليهما السلام) لاهل بيته: يا قوم إني أموت بالسم كما مات رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال له أهل بيته:
ومن الذي يسمك؟ قال: جاريتي أو امرأتي فقالوا له: أخرجها من ملكك عليها
_______________
(1) في المصدر ج 4 ص 8 الحسن بن أبى العلاء. (*)

===============
( 328 )
لعنة الله، فقال: هيهات من إخراجها ومنيتي على يدها، مالي منها محيص، ولو أخرجتها ما يقتلني غيرها، كان قضاء مقضيا وأمرا واجبا من الله فما ذهبت الايام حتى بعث معاوية إلى امرأته.
قال: فقال الحسن (عليه السلام): هل عندك من شربة لبن؟ فقالت: نعم وفيه ذلك السم الذي بعث به معاوية فلما شربه وجد مس السم في جسده فقال: يا عدوة الله قتلتيني قاتلك الله، أما والله لا تصيبين مني خلفا ولا تنالين من الفاسق عدو الله اللعين خيرا أبدا.
7 - نجم: من كتاب الدلائل لابي جعفر ابن رستم الطبري باسناده إلى عبدالله ابن عباس قال: مرمت بالحسن بن علي (عليهما السلام) بقرة فقال: هذه حبلى بعجلة انثى لها غرة في جبينها ورأس ذنبها أبيض، فانطلقنا مع القصاب حتى ذبحها فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها، فقلنا: أوليس الله عزوجل يقول: " ويعلم ما في الارحام " (1)
فكيف علمت؟ فقال: مايلعم المخزون المكنون المجزوم المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته.
بيان: رد استبعاده (عليه السلام) بأبلغ وجه، ولم يبين وجه الجمع بينه وبين ماهو ظاهر الاية من اختصاص العلم بذلك بالله تعالى وقد مر أن المعنى أنه لا يعلم ذلك أحد إلا بتعليمه تعالى ووحيه وإلهامه وأنهم (عليهم السلام) إنما يعلمون بالوحي والالهام.
8 - نجم: من كتاب مولد النبي (صلى الله عليه واله) ومولد الاصفياء (عليهم السلام) تأليف الشيخ المفيد رحمه الله باسناده إلى جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال. جاء الناس إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فقالوا: أرنا من عجائب أبيك التي كان يرينا! فقال: وتؤمنون بذلك؟ قالوا: نعم نؤمن والله بذلك، قال: أليس تعرفون أبي؟ قالوا جميعا: بل نعرفه، فرفع لهم جانب الستر فاذا أميرالمؤمنين (عليه السلام) قاعد، فقال: تعرفونه؟ قالوا بأجمعهم: هذا أميرالمؤمنين (عليه السلام) ونشهد أنك ولي الله حقا والامام من بعده، ولقد أريتنا أميرالمؤمنين (عليه السلام) بعد موته كما أرى أبوك أبابكر رسول الله (صلى الله عليه واله) في مسجد قبا بعد
_______________
(1) لقمان: 34. (*)

===============
( 329 )
موته فقال الحسن (عليه السلام) ويحكم أما سمعتم قول الله عزوجل " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون " (1) فاذا كان هذا نزل فيمن قتل في سبيل الله ماتقولون فينا؟ قالوا: آمنا وصدقنا ياابن رسول الله.
9 - نجم: وجدت في جزو بخط محمد بن علي بن الحسين بن مهزيار ونسخه في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وكان على ظهر الذي نقل منه هذا الحديث ما هذا المراد من لفظه: من حديث أبي الحسن بن علي بن محمد بن عبدالوهاب قدم علينا في سنة أربعين وثلاث مائة وأما لفظة الحديث فهو:
حدثنا أبومحمد عبدالله بن محمد الاحمري المعروف بابن داهر الرازي قال:
حدثني أبوجعفر محمد بن علي الصيرفي القرشي أبوسمينة (2) قال: حدثني داود بن كثير الرقي، عن أبي عبدالله (عليه السلام): لما صالح الحسن بن علي (عليهما السلام) معاوية جلسا بالنخيلة فقال معاوية: يا أبا محمد بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه واله) كان يخرص النخل فهل عندك من ذلك علم، فان شيعتكم يزعمون أنه لا يعزب عنكم علم شئ في الارض ولا في السماء؟ فقال الحسن (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه واله) كان يخرص كيلا وأنا أخرص عددا فقال معاوية: كم في هذه النخلة؟ فقال الحسن (عليه السلام): أربعة آلاف بسرة وأربع بسرات.
أقول: ووجدت قد انقطع من المختصر المذكور كلمات فوجدتها في رواية ابن عباس الجوهري:
_______________
(1) البقرة: 154.
(2) في النسخة المطبوعة: " أبوسفينة " و هو تصحيف. والرجل محمد بن على بن ابراهيم بن موسى أبوجعفر القرشى مولاهم صيرفى ابن اخت خلاد المقرى وهو خلاد بن عيسى وكان يلقب أبا سمينة ضعيف جدا فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شئ وكان ورد قم، وقد اشتهر بالكذب بالكوفة، ونزل على أحمد بن محمد بن عيسى مدة ثم تشهر بالغلو فخفى و أخرجه احمد بن محمد بن عيسى عن قم وله قصة راجع النجاشى ص 255. وقال الكشى:
ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذابون المشهورون: أبوالخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصائغ، ومحمد بن سنان، وأبوسمينة أشهرهم. (*)

===============
( 330 )
فأمر معاوية بها فصرمت وعدت فجاءت أربعة آلاف وثلاث بسرات.
ثم صح الحديث بلفظها فقال:
والله ماكذبت ولا كذبت فنظر فاذا في يد عبدالله بن عامر بن كريز بسرة ثم قال: يامعاوية أما والله لو لا أنك تكفر لاخبرتك بما تعمله وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه واله) كان في زمان لا يكذب وأنت تكذب وتقول: متى سمع من جده على صغر سنه، والله لتدعن زياد او لتقتلن حجرا ولتحملن إليك الرؤوس من بلد إلى بلد فادعى زيادا وقتل حجرا وحمل إليه رأس عمروبن الحمق الخزاعي.
10 - يج: عن عبدالغفار الجازي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان عنده رجلان فقال لاحدهما: إنك حدثت البارحة فلانا بحديث كذا وكذا، فقال الرجل: إنه ليعلم ماكان، وعجب من ذلك فقال (عليه السلام): إنا لنعلم مايجري في الليل والنهار ثم قال: إن الله تبارك وتعالى علم رسوله (صلى الله عليه واله) الحلال والحرام، والتنزيل والتأويل، فعلم رسول الله (صلى الله عليه واله) عليا علمه كله.
ير: محمد بن الحسين، عن النضربن شعيب، عن عبدالغفار مثله.


يتبع ( (مكارم أخلاقه [وعمله] وعلمه وفضله وشرفه) *












توقيع :




سأظلُ أمشِي وَ الحنينُ يَدُلُنِي . .

وَ فُراتُ رُمشِي بِ الخشُوع يَبُلُنِي . .
لا تسَألُوا سَفَريِ لأيَن
وَ الشوقُ موطِنهُ الحُسَين
هُو مَن دعَانِي خَادِمي حَياكَ لِي
فَ أجبتُه آتٍ فِداكَ أبَا عَلِي ♥



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور زينب الحوراء   رد مع اقتباس
قديم 07-12-2011, 11:15 PM   المشاركة رقم: 4
**معلومات العضو**
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية زينب الحوراء

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 217
المشاركات: 2,441 [+]
بمعدل : 1.79 يوميا
اخر زياره : 07-05-2014 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13


الإتصالات
الحالة:
زينب الحوراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

آخر مواضيعي
كاتب الموضوع : زينب الحوراء المنتدى : {« سفينة النجاة »}
افتراضي رد: بحر من الأخلاق و العطاء والطيبة والقوة هؤلاء هم أهل بيت النبوة

(مكارم أخلاقه [وعمله] وعلمه وفضله وشرفه) *
" وجلالته ونوادر احتجاجاته صلوات الله عليه " 1 - لى: علي بن أحمد، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق (عليه السلام): حدثني أبي، عن أبيه (عليهما السلام) أن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم و كان إذا حج حج ماشيا وربما مشى حافا وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عزوجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنة وتعوذ به من النار.
وكان (عليه السلام) لايقرء من كتاب الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا " إلا قال:
لبيك اللهم لبيك، ولم يرفي شئ من أحواله إلا ذاكر الله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا، ولقد قيل لمعاوية ذات يوم: لو أمرت الحسن بن علي بن أبي طالب فصعد المنبر فخطب ليتبين للناس نقصه، فدعاه فقال له:
اصعد المنبر وتكلم بكلمات تعظنابها، فقام (عليه السلام) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبيطالب، وابن سيدة النسآء فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) أنا ابن خير خلق الله أنا ابن رسول الله (صلى الله عليه واله)، أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أميرالمؤمنين، أنا المدفوع عن حقي، أنا وأخي الحسين سيدا شباب أهل الجنة أنا ابن الركن والمقام أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن المشعر وعرفات.
فقال له معاوية: يابا محمد خذ في نعت الرطب ودع هذا فقال (عليه السلام): الريح

===============
( 332 )
تنفخه والحرور ينضجه، والبرد يطيبه، ثم عاد (عليه السلام) في كلامه فقال:
أنا إمام خلق الله، وابن محمد رسول الله. فخشي معاوية أن يتكلم بعد ذلك بما يفتتن به الناس، فقال: يابا محمد انزل فقد كفى ماجرى، فنزل.
بيان: قال الجزري: الفريضة: اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، ومنه الحديث: فجئ بهما ترعد فرائصمها أي ترجف من الخوف انتهى والسليم من لدغته العقرب كأنهم تفاء لواله بالسلامة قوله (عليه السلام): تنفخه لعل المعنى تعظمه و المنفوح: البطين والسمين.
2 - لى: الطالقاني، عن أبي سعيد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما حضرت الحسن بن علي بن أبيطالب الوفاة بكى فقيل له: ياابن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله (صلى الله عليه واله) الذي أنت به؟ وقد قال فيك رسول الله (صلى الله عليه واله) ماقال؟ وقد حججت عشرين حجة ماشيا؟
وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟ فقال (عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الاحبة ايضاح: قال الجزري: هول المطلع، يريد به الموقف يوم القيامة [أو )
مايشرف عليه من أمر الاخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال.
3 - ب: محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): بلعنا أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج عشرين حجة ماشيا؟ قال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ويساق معه المحامل والرحال، الخبر.
ع: ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن الحسن بن سعيد، عن المفضل بن يحيى، عن سليمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثله.
4 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن هاشم وسهل، عن ابن مرار وعبدالجبار ابن المبارك، عن يونس، عمن حدثه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن رجلا مر بعثمان بن عفان وهو قاعد على باب المسجد فسأله فامر له بخمسة دراهم فقال له

===============
( 333 )
الرجل: أرشدني فقال له عثمان: دونك الفتية الذين ترى وأو مأبيده إلى ناحية من المسجد فيها الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر (عليهم السلام).
فمضى الرجل نحوهم حتى سلم عليهم وسألهم فقال له الحسن (عليه السلام): ياهذا إن المسألة لا تحل إلا في إحدى ثلاث: دم مفجع، أودين مقرح، أو فقر مدقع ففي أيها تسأل؟ فقال: في وجه من هذه الثلاث، فأمر له الحسن (عليه السلام) بخمسين دينارا وأمر له الحسين (عليه السلام) بسعة وأربعين دينارا، وأمر له عبدالله بن جعفر بثمانية وأربعين دينارا.
فانصرف الرجل فمر بعثمان فقال له: ما صنعت؟ فقال مررت بك فسألتك فأمرت لي بما أمرت، ولم تسألني فيما أسأل، وإن صاحب الوفرة لما سألته قال لي: ياهذا فيما تسأل، فان المسألة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فأخبرته بالوجه الذي أسأله من الثلاثة، فأعطاني خمسين دينارا وأعطاني الثاني تسعة وأربعين دينارا وأعطاني الثالث ثمانية وأربعين دينارا فقال عثمان: ومن لك بمثل هؤلاء الفتية اولئك فطموا العلم فطما وحازوا الخير والحكمة قال الصدوق - رحمه الله - معنى قوله: فطموا العلم فطما أي قطعوه عن غيرهم قطعا وجمعوه لانفسهم جمعا.
بيان: الوفرة الشعرة إلى شحمة الاذن، ويكمن أن يقرأ فطموا على بناء المجهول أي فطموا بالعلم على الحذف والايصال.
5 - د: حدث أبويعقوب يوسف بن الجراح، عن رجاله، عن حذيفة بن اليمان قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه واله) في جبل أظنه حرى أو غيره ومعه أبوبكر وعمر وعثمان وعلي (عليه السلام) وجماعة من المهاجرين والانصار وأنس حاضر لهذا الحديث وحذيفة يحدث به إذ أقبل الحسن بن علي (عليهما السلام) يمشي على هدوء ووقار فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه واله) وقال: إن جبرئيل يهديه وميكائيل يسدده، وهو ولدي والطاهر من نفسي وضلع من أضلاعي هذا سبطي وقرة عيني بأبي هو.
فقام رسول الله (صلى الله عليه واله) وقمنا معه وهو يقول له: أنت تفاحتي وأنت حبيبي ومهجة

===============
( 334 )
قلبي وأخذ بيده فمشى معه ونحن نمشي حتى جلس وجلسنا حوله ننظر إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو لايرفع بصره عنه، ثم قال: [أما] إنه سيكون بعدي هاديا مهديا هذا هدية من رب العالمين لي ينبئ عني ويعرف الناس آثاري ويحيي سنتي، ويتولى اموري في فعله، ينظر الله إليه فيرحمه، رحم الله من عرف له ذلك وبرني فيه وأكرمني فيه.
فما قطع رسول الله (صلى الله عليه واله) كلامه حتى أقبل إلينا أعرابي يجر هراوة له فلما نظر رسول الله (صلى الله عليه واله) إليه قال: قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر منه جلودكم، وإنه يسألكم من امور، إن لكلامه جفوة. فجاء الاعرابي فلم يسلم وقال: أيكم محمد؟ قلنا: وما تريد؟ قال رسول الله (صلى الله عليه واله): مهلا، فقال:
يامحمد لقد كنت ابغضك ولم أرك والان فقد ازددت لك بغضا.
قال: فتبسم رسول الله (صلى الله عليه واله) وغضبنا لذلك وأردنا بالاعرابي إرادة فأومأ إلينا رسول الله أن: اسكتوا! فقال الاعرابي: يامحمد إنك تزعم أنك نبي وإنك قد كذبت على الانبياء وما معك من برهانك شئ قال له: يا أعرابي ومايدريك؟
قال: فخبرني ببرهانك قال: إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي فيكون ذلك أوكد لبرهاني قال: أو يتكلم العضو؟ قال: نعم، ياحسن قم! فازدرى الاعرابي نفسه (1) وقال: هو ما يأتي ويقيم صبيا ليكلمني قال: إنك ستجده عالما بما تريد فابتدره الحسن (عليه السلام) وقال: مهلا يا أعرابي.
ما غبيا سألت وابن غبي * بل فقيها إذن وأنت الجهول
فان تك قد جهلت فان عندي * شفاء الجهل ما سأل السؤل
وبحرا لا تقسمه الدوالي * تراثا كان أورثه الرسول
لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك، وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتى تؤمن إنشاء الله فتبسم الاعرابي وقال: هيه (2) فقال له الحسن (عليه السلام): نعم
_______________
(1) أى احتقره الاعرابى لصغر سنه (عليه السلام).
(2) هيه: كلمة تقال لشئ يطرد وهي أيضا كلمة استزادة. (*)

===============
( 335 )
اجتمعهم في نادي قومك، وتذاكرتم ماجرى بينكم على جهل وخرق منكم، فزعمتم أن محمدا صنبور (1) والعرب قاطبة تبغضه، ولا طالب له بثاره، وزعمت أنك قاتله وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك، وعمي عليك بصرك، وأبيت إلا ذلك فأتيتنا خوفا من أن يشتهر وإنك إنماجئت بخير يراد بك.
انبئك عن سفرك: خرجت في ليلة ضحياء إذ عصفت ريح شديدة اشتد منها ظلماؤها وأطلت سماؤها، وأعصر سحابها، فبقيت محرنجما كالاشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، (2) لاتسمع لواطئ حسا ولا لنا فخ نارجرسا، تراكمت عليك غيومها، وتوارت عنك نجومها. فلا تهتدي بنجم طالع، ولا بعلم لا مع، تقطع محجة وتهبط لجة في ديمومة قفر بعيدة القعر، مجحفة بالسفر إذا علوت مصعدا ازددت بعدا، الريح تخطفك، والشوك تخبطك، في ريح عاصف، وبرق خاطف، قد أو حشتك آكامها، وقطعتك سلامها، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرت عينك، وظهر رينك، وذهب أنينك.
قال: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويد (3) قلبي، ولقد كنت كأنك شاهدتني، وما خفي عليك شئ من أمري وكأنه علم الغيب [ف] قال له: ما الاسلام؟ فقال الحسن (عليه السلام): الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فأسلم وحسن إسلامه، وعلمه رسول الله (صلى الله عليه واله) شيئا من القرآن فقال: يارسول الله أرجع إلى قومي فاعرفهم ذلك؟ فأذن له، فانصرف ورجع ومعه جماعة من قومه، فدخلوا في الاسلام فكان الناس إذا نظروا إلى
_______________
(1) قال الجزرى: فيه: أن قريشا كانوا يقولون ان محمدا صنبور. أى أبتر لاعقب له. وأصل الصنبور سعفة تنبت في جذع النخلة لا في الارض وقيل: هى النخلة المنفردة التى يدق أسفلها. أرادوا أنه اذا قطع انقطع ذكره كما يذهب أثر الصنبور لانه لاعقب له.
(2) من كلام لقيط بن زرارة يوم جبلة وكان على فرس أشقر، يقول: ان جريت على طبعك فتقدمت إلى العدو قتلوك وان أسرعت فتأخرت منهزما أتوك من ورائك فعقروك، فاثبت والزم الوقار. راجع مجمع الامثال ج 2 ص 140.
(3) سويد: بتصغير الترخيم، أصله أسيود تصغير أسود. (*)

===============
( 336 )
الحسن (عليه السلام) قالوا: لقد اعطي مالم يعط أحد من الناس.
6 - ما: المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يوسف عن الحسن بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: كتب إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) قوم من أصحابه يعزونه عن ابنة له، فكتب إليهم: أما بعد فقد بلغني كتابكم تعزوني بفلانة، فعندالله أحتسبها تسليما لقضائه، وصبرا على بلائه، فان أو جعتنا المصائب: وفجعتنا النوائب بالاخبة المألوفة التي كانت بنا حفية، والاخوان المحبين الذين كان يسر بهم الناظرون، وتقربهم العيون.
أضحوا قد أختر متهم الايام ونزل بهم الحمام، فخلفوا الخلوف، وأودت بهم الحتوف، فهم صرعى في عساكر الموتى، متجاورون في غير محلة التجاور، ولا صلاة بينهم ولا تزاور، ولا يتلاقون عن قرب جوارهم، أجسامهم نائية من أهلها خالية من أربابها، قد أخشعها إخوانها، فلم أر مثل دارها دارا، ولا مثل قرارها قرارا في بيوت موحشة، وحلول مضجعة، قد صارت في تلك الديار الموحشة، وخرجت عن دار المونسة، ففارقتها من غير قلى، فاستودعتها للبلى، وكانت أمة مملوكة، سلكت سبيلا مسلوكة صار إليها الاولون، وسيصيرإليها الاخرون والسلام.
بيان: قال الجزري فيه: من صام رمضان إيمانا واحتسابا أي طلبالوجه الله وثوابه، والا حتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه، لان له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، ومنه الحديث: من مات له ولد فاحتسبه أي احتسب الاجر بصبره على مصيبة انتهى.
وفجعته المصيبة أي أوجعته، وكذلك التفجيع، والحفاوة المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية في أمره، واخترمهم الدهر أي اقتطعهم واستأصلهم، والحمام بالكسر قدر الموت.
وقال الجزري: (1) الخلف بالتحريك والسكون كل من يجئ بعد من
_______________
(1) في النسخ المطبوعة: " قال الفيروز آبادى " وهو سهو من النساخ. (*)

===============
( 337 )
مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، وفي حديث ابن مسعود ثم إنه تخلف من بعده خلوف هي جمع خلف، انتهى، وأودى به الموت: ذهب، والحتوف بالضم جمع الحتف، وهو الموت و " عن " في قوله " عن قرب جوارهم " لعلها للتعليل أي لا يقع منهم الملاقاة الناشية عن قرب الجوار، بل أرواحهم يتزاورون بحسب درجاتهم وكمالاتهم.
قوله (عليه السلام) " قد أخشعها " كذا في أكثر النسخ ولا يناسب المقام وفي بعضها بالجيم قال في النهاية: الجشع: الجزع لفراق الالف، ومنه الحديث: فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله (صلى الله عليه واله)، ولا يبعة أن يكون تصحيف اجتنبها، والحلول بالضم جمع حال من قولهم حل بالمكان أي نزل فيه، ومضجعة، بفتح الجيم من قولهم أضجعه أي وصع جنبه على الارض، والقلى بالكسر: البغض.
7 - ير: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبدالله (عليه السلام) يرفع الحديث إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه قال: إن الله مدينتين إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها سبعون ألف ألف لغة، يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه وأنا أعرف جميع اللغات، وما فيهما ومابينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي.
ير: أحمد بن الحسين عن أبيه بهذا الاسناد مثله.
قب: عن ابن أبي عمير مثله (1).
8 - يج: روي أن الحسن (عليه السلام) وعبدالله بن العباس كانا على مائدة فجاءت جرادة ووقعت على المائدة فقال عبدالله للحسن: أي شئ مكتوب على جناح الجرادة؟ فقال (عليه السلام): مكتوب عليه: أنا الله لا إله إلا أنا ربما أبعث الجراد لقوم جياع ليأكلوه، وربما أبعثها نقمة على قوم فتأكل أطعمتهم، فقام عبدالله وقبل رأس الحسن، وقال: هذا من مكنون العلم.
9 - سن: ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
_______________
(1) ورواه المفيد في الارشاد ص 180 باختصار. (*)

===============
( 338 )
أتى رجل أميرالمؤمنين (عليه السلام) فقال له: جئتك مستشيرا إن الحسن والحسين وعبدالله ابن جعفر (عليهم السلام) خطبوا إلي فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): المستشار مؤتمن، أما الحسن فانه مطلاق للنساء، ولكن زوجها الحسين، فانه خير لابنتك.
10 - شا: روى جماعة منهم معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال:
لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلى الله عليه واله) من الحسن بن علي (عليهما السلام).
11 - قب: محمد بن إسحاق في كتابه قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) مابلغ الحسن، كان يبسط له على باب داره فاذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مر أحد من خلق الله إجلالا له، فاذا علم قام ودخل بيته، فمر الناس ولقد رأيته في طريق مكة ماشيا فما من خلق الله أحد رآه إلا نزل ومشى حتى رأيت سعد بن أبي وقاص يمشي.
أبوالسعادات في الفضائل أنه أملا الشيخ أبوالفتوح في مدرسة الناجية: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان يحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو ابن سبع سنين فيسمع الوحي فيحفظه فيأتي امه فيلقي إليها ما حفظه كلما دخل علي (عليه السلام) وجد عندها علما بالتنزيل فيسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسن، فتخفى يوما في الدار، وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليها فارتج عليه، فعجبت امه من ذلك فقال:
لا تعجبين يا اماه فان كبيرا يسمعني، فاستماعه قد أوقفني، فخرج علي (عليه السلام) فقبله، وفي رواية: يا اماه قل بياني وكل لساني لعل سيدا يرعاني.
بيان: قال الجوهري: ارتج على القارئ على مالم يسم فاعله إذا لم يقدر على القراءة كأنه اطبق عليه كما يرتج الباب وكذلك ارتتج عليه، ولا تقل ارتج عليه بالتشديد.
12 - قب: قيل للحسن بن علي (عليهما السلام) إن فيك عظمة، قال: بل في عزة قال الله تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (1).
وقال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) عليه سيماء الانبياء
_______________
(1) المنافقون: 8. (*)

===============
( 339 )
وبهاء الملوك. 13 - قب: أما زهده (عليه السلام) فقد جاء في روضة الواعظين أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصلة.
وكان (عليه السلام) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: إلهي ضيفك ببابك يا محسن قد أتاك المسيئ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، ياكريم.
الفائق إن الحسن (عليه السلام) كان إ ذا فرغ من الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس وإن زحزح، أي وإن اريد تنحيه من ذلك باستنطاق مايهم.
قال الصادق (عليه السلام): إن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج خمسة وعشرين حجة ماشيا وقاسم اله تعالى ماله مرتين، وفي خبر: قاسم ربه ثلاث مرات وحج عشرين حجة على قدميه.
أبونعيم في حلية الاولياء بالاسناد عن القاسم بن عبدالرحمن، عن محمد بن علي (عليهما السلام) قال الحسن (عليه السلام): إني لاستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه، وفي كتابه بالاسناد عن شهاب بن عامر أن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم الله تعالى ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله وفي كتابه بالاسناد عن ابن نجيح أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ماشيا وقسم ماله نصفين، وفي كتابه بالاسناد عن علي بن جذعان قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) من ماله مرتين وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتى أن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا.
وروى عبدالله بن عمر ابن عباس قال: لما اصيب معاوية قال: (1) ما آسى على شئ إلا على أن أحج ماشيا ولقد حج الحسن بن علي عليهما السام خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه، وقد قاسم الله مرتين حتى أن كان ليعطي النعل ويمسك النعل، ويعطي الخف ويمسك الخف.
_______________
(1) في النسخ المطبوعة: " قال معوية " وهو تصحيف راجع المصدر ج 4 ص 14. (*)

===============
( 340 )
بيان: أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن.
14 - قب: وروي أنه دخلت عليه امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في صلاته ثم قال لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قال: وماهي؟ قالت: قم فأصب مني فاني وفدت ولا بعل لي قال: إليك عني لا تحرقيني بالنارونفسك، فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول: ويحك إليك عني واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك بكت لبكائه، فدخل الحسين (عليه السلام) ورآهما يبكيان، فجلس يبكي وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون حتى كثر البكاء وعلت الاصوات فخرجت الاعرابية، و قام القوم وترحلوا، ولبث الحسين (عليه السلام) بعد ذلك دهرا لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالا له.
فبينما الحسن ذات ليلة نائما إذا استيقظ وهو يبكي فقال له الحسين (عليه السلام):
ماشأنك؟ قال: رؤيا رأيتها الليلة، قال: وماهي قال: لا تخبر أحدا ما دمت حيا قال: نعم: قال: رأيت يوسف فجئت أنظر إليه فيمن نظر فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلي في الناس فقال: ما يبكيك يا أخي بأبي أنت وامي فقلت: ذكرت يوسف و امرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وحرقة الشيخ يعقوب فبكيت من ذلك وكنت أتعجب منه فقال يوسف: فهلا تعجبت مما فيه المرأة البدوية بالابواء.
عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: دخل الحسن بن علي (عليهما السلام) الفرات في بردة كانت عليه، قال: فقلت له: لو نزعت ثوبك فقال لي: يا أبا عبدالرحمن إن للماء سكانا.
وللحسن بن علي (عليه السلام):
ذري كدر الايام إن صفاءها * تولى بأيام السرور الذواهب
وكيف يغر الدهر من كان بينه * وبين الليالي محكمات التجارب
وله (عليه السلام):
قل للمقيم بغير دار إقامة * حان الرحيل فودع الاحبابا

===============
( 341 )
إن الذين لقيتهم وصحبتهم * صاروا جمعا في القبور ترابا
وله (عليه السلام):
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن المقام بظل زائل حمق
وله (عليه السلام):
لكسرة من خسيس الخبز تشعني * وشربة من قراح الماء تكفيني
وطمرة من رقيق الثوب تسترني * حيا وإن مت تكفيني لتكفيني
ومن سخائه (عليه السلام) ما روي أنه سأل الحسن بن علي (عليهما السلام) رجل فأعطاه فخمسين ألف درهم وخمس مائة دينار، وقال: ائت بحمال يحمل لك فأتى بحملا فأعطى طيلسانه فقال: هذا كرى الحمال.
وجاءه بعض الاعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة فوجد فيها عشرون ألف دينار فدفعها إلى الاعرابي فقال الاعرابي: يامولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي فأنشأ الحسن (عليه السلام):
نحن اناس نوالنا خضل * يرتع فيه الرجاء والامل
تجود قبل السؤال أنفسنا * خوفا على ماء وجه من يسل
لوعلم البحر فضل نائلنا * لغاض من بعد فيضه خجل (1)
بيان: قال الفيروز آبادي: الخضل ككتف وصاحب: كل شئ ند يترشف نداه وقال الجوهري: الخضل: النبات الناعم، وقوله (عليه السلام) " خجل " خبر مبتدأ محذوف.
15 - قب: أبوجعفر المدائني في حديث طويل: خرج الحسن والحسين و عبدالله بن جعفر حجاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا فرأوا في بعض الشعوب خباء رثا وعجوزا فاستسقوها فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا واستطعموها فقالت: ليس إلا هي فليقم أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاما فذبحها أحدهم ثم شوت لهم من لحمها فأكلوا وقيلوا عندها فلما نهضوا قالوا لها: نحن نفر
_______________
(1) في النسخة المطبوعة: لفاض. وهو تصحيف راجع المصدر ج 4 ص 16. (*)

===============
( 342 )
من قريش نريد هذا الوجه، فإذا انصرفنا وعدنا فالممي بنافإنا صانعون بك خيرا ثم رحلوا.
فلما جاء زوجها وعرف الحال أو جعها ضربا ثم مضت الايام فأضرت بها الحال فرحلت حتى اجتازت بالمدينة فبصربها الحسن (عليه السلام) فأمر لها بألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولا إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاها مثل ذلك ثم بعثها إلى عبدالله ابن جعفر فأعطاها مثل ذلك.
البخاري: وهب الحسن بن علي (عليه السلام) لرجل ديته وسأله (عليه السلام) رجل شيئا فأمر له بأربعمائة درهم فكتب له بأربعمائة دينار فقيل له في ذلك فأخده، وقال:
هذا سخاؤه، وكتب عليه بأربعة آلاف درهم.
وسمع (عليه السلام) رجلا إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف إلى بيته وبعث إليه بعشرة آلاف درهم.
ودخل عليه جماعة وهو يأكل فسلموا وقعدوا فقال (عليه السلام) هلموا فانما وضع الطعام ليؤكل.
ودخل الغاضري عليه عليه السلا فقال: إني عصيت رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال: بئس ما علمت كيف؟ قال: قال (صلى الله عليه واله): لا يفلح قوم ملكت عليهم امرأة وقد ملكت علي امرأتي وأمرتني أن أشتري عبدا فاشتريته فأبق مني فقال (عليه السلام): اختر أحد ثلاثة إن شئت فثمن عبد فقال: ههنا ولا تتجاوز! قد اخترت، فأعطاه ذلك.
فضائل العكبري بالاسناد، عن أبي إسحاق أن الحسن بن علي (عليه السلام) تزوج جعدة بنت الاشعث بن قيس على سنة النبي (صلى الله عليه واله) وأرسل إليها ألف دينار.
تفسير الثعلبي وحلية أبي نعيم قال محمد بن سيرين: إن الحسن بن علي (عليه السلام) تزوج امرأة فبعث إليها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم.
الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: كان تحت الحسن بن علي (عليه السلام) امرأتان تميمية وجعفية فطلقهما جميعا وبعثني إليهما، وقال: أخبرهما فليعتداوأخبرني بما تقولان، ومتعهما العشرة الالاف وكل واحدة منهما بكذا وكذا من العسل

===============
( 343 )
والسمن، فأتيت الجعفية فقلت: اعتدي، فتنفست الصعداء ثم قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، وأما التميمية فلم تدرما " اعتدي " حتى قال لها النساء فسكتت، فأخبرته (عليه السلام) بقوله الجعفية فنكت في الارض ثم قال: لو كنت مراجعا لا مرأة لراجعتها.
وقال أنس: حيت جارية للحسن بن علي (عليه السلام) بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرة لوجه الله فقلت له في ذلك فقال: أدبنا الله تعالى: فقال: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها " (1) الاية وكان أحسن منها إعتاقها.
وللحسن بن علي (عليه السلام):
إن السخاء على العباد فريضة * لله يقرأ في كتاب محكم
وعد العباد الاسخياء جنانه * وأعد للبخلاء نار جهنم
من كان لاتندى يداه بنائل * للراغبين فليس ذاك بمسلم
ومن همته (عليه السلام) ماروي أنه قدم الشام إلى عند معاوية فأحضر بارنامجا بحمل عظيم ووضع قبله ثم إن الحسن (عليه السلام) لما أراد الخروج خصف خادم نعله فأعطاه البارنامج.
بيان: " بارنامج " معرب بارنامه أي تفصيل الامتعة.
16 - قب: وقدم معاوية المدينة فجلس في أول يوم يجيز من يدخل عليه من خمسة آلاف إلى مائة ألف، فدخل عليه الحسن بن علي (عليه السلام) في آخر الناس فقال: أبطأت يا أبا محمد فلعلك أردت تبخلني عند قريش، فانتظرت يفنى ماعندنا، يا غلام أعط الحسن مثل جميع ما أعطينا في يومنا هذا، يا أبا محمد وأنا ابن هند فقال الحسن (عليه السلام): لا حاجة لي فيها يا أبا عبدالرحمان ورددتها وأنا ابن فاطمة بنت محمد رسول الله (صلى الله عليه واله).
المبرد في الكامل: قال مروان بن الحكم: إني مشغوف ببغلة الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك تقضي لي ثلاثين حاجة؟ قال:
_______________
(1) النساء: 85. (*)

===============
( 344 )
نعم، قال: إذا اجتمع القوم فاني آخذ في مآثر قريش وأمسك عن مآثر الحسن فلمني على ذلك.
فلما حضر القوم أخذ في أولية قريش، فقال مروان: ألا تذكر أولية أبي محمد وله في هذا ماليس لاحد، قال: إنما كنا في ذكر الاشراف، ولو كنا في ذكر الانبياء لقد منا ذكره.
فلما خرج الحسن (عليه السلام) ليركب، اتبعه ابن أبي عتيق، فقال له الحسن و تبسم: ألك حاجة؟ قال: نعم ركوب البغلة، فنزل الحسن (عليه السلام) ودفعها إليه.
إن الكريم إذا خادعته انخذعا.
ومن حلمه ماروى المبرد وابن عائشة أن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه و الحسن لايرد فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلم عليه وضحك فقال: أيها الشيخ أظنك غريبا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنياك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضينا هالك، فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لان لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا.
فلما سمع الرجل كلامه، بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلى والان أنت أحب خلق الله إلي وحول إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم.
بيان: تقوم: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.
17 - قب: المناقب عن أبي إسحاق العدل في خبر أن مروان بن الحكم خطب يوما فذكر علي بن أبي طالب (عليه السلام) فنال منه والحسن بن علي (عليه السلام) جالس فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فجاء إلى مروان فقال: يابن الزرقاء! أنت الواقع في علي - في كلام له - ثم دخل على الحسن (عليه السلام) فقال: تسمع هذا يسب أباك فلا تقول

===============
( 345 )
له شيئا فقال: وما عسيت أن أقول لرجل مسلط، يقول ماشاء، ويفعل ماشاء.
وروى أن الحسن (عليه السلام) لم يسمع قط منه كلمة فيها مكروه إلا مرة واحدة فانه كان بينه وبين عمرو بن عثمان، خصومة في أرض، فقال له الحسن (عليه السلام): ليس لعمرو عندنا إلا مايرغم أنفه.
دعا أميرالمؤمنين (عليه السلام) محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له:
اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعوه بنوضبة فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه، ورجع إلى والده، و على رمحه أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك فقال أميرالمؤمنين: لا تأنف فانه ابن النبي وأنت ابن علي.
بيان: تمغر وجهه: احمر مع كدورة، وأنف منه: استنكف.
18 - قب: طاف الحسن بن علي (عليه السلام) بالبيت فسمع رجلا يقول: هذا ابن فاطمة الزهراء، فالتفت إليه فقال: قل علي بن أبي طالب فأبي خير من امي.
ونادى عبدالله بن عمر الحسن بن علي (عليه السلام) في أيام صفين وقال: إن لي نصيحة، فلما برز إليه، قال: إن أباك بغضة لعنة وقد خاض في دم عثمان فهل لك أن تخلعه نبايعك، فأسمعه الحسن (عليه السلام) ماكرهه فقال معاوية: إنه ابن أبيه.
19 - كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: روى أبوالحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الوسيط مايرفعه بسنده أن رجلا قال: دخلت مسجد المدينة فاذا أنا برجل يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه واله) والناس حوله، فقلت له: أخبرني عن " شاهد ومشهود " (1) فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث فقلت: أخبرني عن " شاهد ومشهود " فقال: نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار، وهو يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه واله) فقلت: أخبرني عن " شاهد ومشهود " فقال: نعم أما الشاهد فمحمد (صلى الله عليه واله) وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول: " يا أيها النبي
_______________
(1) البروج: 3. (*)

===============
( 346 )
إنا أرسلناك شاهدا " (1) وقال تعالى: " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " (2).
فسألت عن الاول فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبيطالب وكان قول الحسن أحسن.
ونقل أنه (عليه السلام) اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة طاهرة، و محاسن سافرة، وقسمات ظاهرة، ونفخات ناشرة، ووجهة يشرق حسنا، وشكله قدكمل صورة ومعنى، والاقبال يلوح من أعطافه، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف، وسار مكتنفا من حاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لارغم بمفاخرته به معاطس انوف، وعده وآباءه وجده في إحراز خصل الفخار يوم التفاخر بالوف.
فعرض له في طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة، وارتكبته الذلة، وأهلكته القلة، وجلدة يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه، وضره قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبب إليه حمامه، وشمس الظهيرة تشوي شواه، وأخمصه يصافح ثرى ممشاه، وعذاب عرعريه قد عراه، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوء ماء على مطاه، وحاله تعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه.
فاستوقف الحسن (عليه السلام) وقال: يا ابن رسول الله: أنصفني، فقال (عليه السلام): في أي شئ؟ فقال: جدك يقول: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وأنت مؤمن وأنا كافر فماأرى الدنيا إلا جنة تتنعم بها، وتستلذ بها، وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها، وأتلفني فقرها.
فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد، واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، وأوضح لليهودي خطاء ظنه وخطل زعمه، وقال: ياشيخ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الاخرة مما لاعين رأت، ولا
_______________
(1) الاحزاب: 45.
(2) هود: 104. (*)

===============
( 347 )
اذن سمعت، لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الاخرة من سعير نار الجحيم، ونكال العذاب المقيم، لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الان في جنة واسعة، ونعمة جامعة.
بيان: سفر الصبح: أضاء وأشرق كأسفر، والمرأة كشفت عن وجهها فهي سافر، والقسمة بكسر السين وفتحها: الحسن، والاعطاف: الجوانب، والغاشية: السؤال يأتونك والزوار والاصدقاء ينتابونك، والهم بالكسر الشيخ الفاني، والهدم بالكسر: الثوب البالي أو المرقع أو خاص بكساء الصوف، والجمع أهدام وهدم والشوى: اليدان والرجلان والرأس من الادميين: والعر بالضم: قروح مثل القوباء تخرج بالابل متفرقة في مشافرها وقوائمها، يسيل منها مثل المآء الاصفر وبالفتح: الجرب، ويحتمل أن يكون " عرعرته " وعرعرة الجبل والسنام وكل شئ - بضم العينين - رأسه. الطوى بالفتح: الجوع، ولعل المراد بالطوى ثانيا ما انطوى عليه بطنه من الاحشاء والامعاء، والمطا. الظهر.
20 - كشف: روى صاحب كتاب صفة الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان أنه قال: حج الحسن (عليه السلام) خمس عشرة حجة ماشيا وإن الجنائب لتقادمعه.
ومن كرمه وجوده (عليه السلام) مارواه سعيد بن عبدالعزيز قال: إن الحسن سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن إلى منزله فبعث بها إليه.
ومنها أن رجلا جاء إليه (عليه السلام) وسأله حاجة فقال له: يا هذا حق سؤالك يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر لدي، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله عزوجل قليل، ومافي ملكي وفاء لشكرك، فان قبلت الميسور، ورفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام بما أتكلفه من واجبك فعلت.
فقال: ياابن رسول الله (صلى الله عليه واله) أقبل القليل، وأشكر الطعية، وأعذر على المنع، فدعا الحسن (عليه السلام) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها [ف] قال:

===============
( 348 )
هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفا قال: فما فعل الخمسمائة دينار؟
قال: [هي] عندي قال: أحضرها فأحضرها فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل وقال: هات من يحملها لك فأتاه بحمالين، فدفع الحسن (عليه السلام) إليه رداءه لكرى الحمالين، فقال مواليه: والله ماعندنا درهم فقال (عليه السلام): لكني أرجو أن يكون لي عندالله أجر عظيم.
ومنها ما رواه أبوالحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر (عليهم السلام) حجاجا ففاتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فأنا خوابها وليس لها ألا شويهة في كسر الخيمة، فقالت: احلبوها، وامتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟
قالت: لا إلا هذه الشاة، فليذبحنها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئا تأكلون.
فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا ثم أقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فاذا رجعنا سالمين فألمي بنا فانا صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا. وأقبل زوجها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب الرجل، وقال: ويحك تذبحين شاتي لاقوام لا تعرفينهم ثم تقولين: نفر من قريش، ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة، فدخلاها وجعلا ينقلان البعير إليها ويبيعانه ويعيشان منه، فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فاذا الحسن (عليه السلام) على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة.
فبعث غلامه فردها فقال لها: يا أمة الله تعرفيني؟ قالت: لا، قال: أنا ضيفك يوم كذا، فقالت العجوز بأبي أنت وامي، فأمر الحسن (عليه السلام) فاشترى لها من شاء الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين (عليه السلام) فقال:
بكم وصلك أخي الحسن فقالت: بألف شاة وألف دينار، فأمر لها بمثل ذلك، ثم بعث بها مع غلامه إلى عبدالله بن جعفر (عليه السلام) فقال: بكم وصلك الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ فقالت: بألفي دينار وألفي شاة فأمرلها عبدالله بألفي شاة وألفي دينار، وقال: لو بدأت بي لاتعبتهما، فرجعت العجوز إلى زوجها بذلك.

===============
( 349 )
قب: أبوجعفر المدائني مثله، إلا أن فيه: فأعطاها عبدالله بن جعفر مثل ذلك.
21 - كشف: قلت: هذه القصة مشهورة وفي دواوين جودهم مسطورة وعنهم (عليهم السلام) مأثورة، وكنت نقلتها على غير هذه الرواية، وأنه كان معهم رجل آخر من أهل المدينة وأنها أتت عبدالله بن جعفر فقال: ابدئي بسيدي الحسن والحسين فأتت الحسن فأمر لها بمائة بعير وأعطاها الحسين ألف شاة، فعادت إلى عبدالله فسألها فأخبرته فقال: كفاني سيداي أمر الابل والشاة، وأمر لها بمائة ألف درهم، وقصدت المدني الذي كان معهم فقال لها: أنا لا اجاري اولئك الاجواد في مدى، ولا أبلغ عشر عشيرهم في الندى، ولكن اعطيك شيئا من دقيق وزبيب فأخذت وانصرفت.
رجع الكلام إلى ابن طلحة رحمه الله قال: وروى عن ابن سيرين قال: تزوج الحسن (عليه السلام) امرأة فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم وروى الحافظ في الحلية عن أبي نجيح أن الحسن بن علي (عليهما السلام) حج ماشيا وقسم ماله نصفين.
وعن شهاب بن أبي عامر أن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم الله ماله مرتين حتى تصدق بفرد نعله.
وعن علي بن زيد بن جذعان، قال: خرج الحسن بن علي من ماله مرتين وقاسم الله ثلاث مرات حتى أنه كان يعطي من ماله نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا.
وعن قرة بن خالد قال: أكلت في بيت محمد بن سيرين طعاما فلما أن شبعت أخذت المنديل، ورفعت يدي فقال محمد إن الحسن بن علي (عليهما السلام) قال: إن الطعام أهون من أن يقسم فيه.
وعن الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: متع الحسن بن علي (عليهما السلام) امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عسل فقالت إحداهما وأراها الحنفية: متاع قليل من حبيب مفارق (1).
_______________
(1) هكذا نقل الخبر في النسخ المطبوعة والمصدر ج 6 ص 142. وفيه سقط ظاهر واختلال فاحش. وقد مر صحيح الخبر عن كتاب المناقب تحت الرقم 15 ص 342 فراجع. (*)

===============
( 350 )
وأتاه رجل فقال: إن فلانا يقع فيك فقال: ألقيتني في تعب اريد الان أن أستغفر الله لي وله.
22 - د: قيل: وقف رجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: يا ابن أميرالمؤمنين بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما تليها منه بشفيع منك إليه، بل إنعاما منه عليك، إلا ما أنصفتني من خصمي فانه غشوم ظلوم، لا يوقر الشيخ الكبير، ولايرحم الطفل الصغير، وكان متكئا فاستوى جالسا وقال له: من خصمك حتى أنتصف لك منه؟ فقال له: الفقر، فأطرق (عليه السلام) ساعة ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له: أحضر ما عندك من موجود، فأحضر خمسة آلاف درهم فقال: ادفعها إليه، ثم قال له:
بحق هذه الاقسام التي أقسمت بها علي متى أتاك خصمك جائرا إلا ما أتيتني منه متظلما.
23 - فر: أحمد بن القاسم معنعنا عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) للحسن: قم اليوم خطيبا وقال لامهات أولاده:
قمن فاسمعن خطبة ابني، قال: فحمد الله تعالى وصلى على النبي (صلى الله عليه واله) ثم قال ماشاء الله أن يقول ثم قال: إن أميرالمؤمنين في باب ومنزل من دخله كان آمنا، ومن خرج منه كان كافرا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ونزل فقام على فقبل رأسه وقال: بأبي أنت وامي ثم قرأ: " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم " (1)
24 - فر: أبوجعفر الحسني والحسن بن حباش (2) معنعنا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام) للحسن: يا بني قم فاخطب حتى أسمع كلامك، قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك أستحيي منك، قال:
فجمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) امهات أولاده ثم توارى عنه، حيث يسمع كلامه.
_______________
(1) آل عمران: 34.
(2) في النسخة المطبوعة: " الحسن بن عياش " وهو تصحيف وما في الصلب هو الصحيح المطابق للمصدر ص 20، قال الفيروز آبادى: وكغراب حباش الصورى والحسن بن حباش الكوفي محدثان. (*)

===============
( 351 )
فقام الحسن (عليه السلام) فقال: الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية العزيز لم يزل قديما في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزته وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولايبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير امورها، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الابصار ولايدركه الابصار، وهو اللطيف الخبير أما بعد فان عليا باب من دخله كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبل بين عينيه ثم قال: " ذريية بعضها من بعض والله سميع عليم ".
25 - كا: العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط عمن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لقي الحسن بن علي (عليهما السلام) عبدالله بن جعفر فقال: يا عبدالله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه، ويحقر منزلته والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.
26 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال وابن محبوب، عن يونس ابن يعقوب، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن ناسا بالمدينة قالوا:
ليس للحسن مال فبعث الحسن إلى رجل بالمدينة فاستقرض منه ألف درهم فأرسل بها إلى المصدق وقال: هذه صدقة مالنا فقالوا: ما بعث الحسن هذه من تلقاء نفسه إلا وعنده مال.
27 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) يحج ماشيا وتساق معه المحامل والرحال. 28 - قب: كتاب الفنون عن أحمد المؤدب، ونزهة الابصار عن ابن مهدي

===============
( 352 )
أنه مر الحسن بن علي (عليهما السلام) على فقراء وقد وضعوا كسيرات على الارض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها فقالوا له: هلم يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء قال: فنزل وقال: إن الله لايحب المستكربين، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته (عليه السلام) ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم.
وروى الحاكم في أماليه للحسن (عليه السلام): من كان يباء بجد فان جدي الرسول (صلى الله عليه واله) أو كان يباء بام فان امي البتول، أو كان يباء بزور فزور نا جبرئيل.
بيان: " يباء " بالباء فيما عند نا من النسخ ولعلة يباء (1) من " البأو " بمعنى الكبر والفخر، يقال: بأوت على القوم أبأى بأوا، أو بالنون من نأى بمعنى بعد كناية عن الرفعة، أو من النوء بمعنى العطاء، أو من المناواة بمعنى المفاخرة، ويحتمل أن يكون نباء من النباء بمعنى الخبر على صيغة المبالغة أو نثاء كذلك من النثاء (2).
29 - من بعض كتب المناقب المعتبرة بإسناده عن نجيح قال: رأيت الحسن ابن علي (عليهما السلام) يأكل وبين يديه كلب كلما أكل لقمة طرح للكلب مثلها فقلت له:
ياابن رسول الله ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟ قال: دعه إني لاستحيي من الله عزوجل أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا اطعمه.
وذكر الثقة: أن مروان بن الحكم عليه اللعنة شتم الحسن بن علي (عليهما السلام) فلما فرغ قال الحسن: إني والله لا أمحوا عنك شيئا ولكن مهدك الله فلئن كنت صادقا فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذبا فجزاك الله بكذبك والله أشد نقمة مني.
وروي أن غلاما له (عليه السلام) جنى جناية توجب العقاب فأمر به أن يضرب فقال:
يامولاي " والعافين عن الناس " قال: عفوت عنك، قال: يا مولاي " والله يحب المحسنين " قال: أنت حر لوجه الله ولك ضعف ما كنت اعطيك.
30 - كا: العدة، عن البرقي، عن أبيه وعمرو بن عثمان جميعا، عن هارون
_______________
(1) كأنه يريد " يبأ " مجزوم " يبأي ".
(2) ولكن الصحيح أنه من " باء يباء " بمعنى تكبر وافتخر، وهو مقلوب من " بأي " كقولهم " راء " في " رأى ". (*)

===============
( 353 )
ابن الهجم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبدالله (عليهما السلام) يقولان: بينا الحسن بن علي (عليهما السلام) في مجلس أميرالمؤمنين صلوات الله عليه إذ أقبل قوم فقالوا:
يابا محمد أردنا أمير المؤمنين قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة قال:
وماهي تخبر ونابها، فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطقة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن (عليه السلام): معضلة وأبوالحسن لها وأقول فان أصبت فمن الله ثم من أميرالمؤمنين وإن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا اخطئ إنشاء الله.
يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة لان الولد لا يخرج منهاحتى يشق فتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة لانها محصنة وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويرد إلى أبيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد.
قال: فانصرف القوم من عند الحسن فلقوا أميرالمؤمنين (عليه السلام) فقال: ما قلتم لابي محمد وما قال لكم؟ فأخبروه فقال: لو أنني المسؤل ماكان عندي فيها أكثر مما قال ابني.
31 - ج: روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعث إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) فمره أن يصعد المنبر يخطب الناس لعله يحصر، فيكون ذلك مما نعيره به في كل محلف، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر، وقد جمع له الناس ورؤساء أهل الشام فحمد الله الحسن بن علي صلوات الله عليه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله أول المسلمين إسلاما، وامي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) وجدي محمد بن عبدالله نبي الرحمة أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن و الانس أجمعين.
فقال معاوية: يا با محمد خذبنا (1) في نعت الرطب - أراد تخجيله - فقال الحسن:
_______________
(1) حدثنا، خ. (*)

===============
( 354 )
الريح تنفخه، والحر ينضجه، والليل يبرده ويطيبه، ثم أقبل الحسن (عليه السلام) فرجع في كلامه الاول فقال:
أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض عن الرأس التراب، أنا ابن من يقرع باب الجنة: فيفتح له، أنا ابن من قاتل معه الملائكة وأحل له المغنم، ونصر بالرعب من مسيرة شهر.
فأكثر في هذا النوع من الكلام، ولم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية وعرف الحسن (عليه السلام) من لم يكن يعرفه من أهل الشام وغيرهم، ثم نزل فقال له معاوية: أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك، فقال الحسن (عليه السلام): أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه واله) وعمل بطاعة الله عزو جل ليس الخليفة من سار بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا اما وأبا، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا فتمتع منه قليلا وكان قد انقطع عنه فاتخم لذته وبقيت عليه تبعته، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (1)
فأومأبيده إلى معاوية ثم قام فانصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني، والله ماكان يرى أهل الشام أن أحدا مثلي في حسب ولا غيره، حتى قال الحسن ما قال، قال عمرو: هذا شئ لايستطاع دفنه ولا تغييره لشهرته في الناس واتضاحه، فسكت معاوية لعنه الله.
بيان: الاتخام: الثقل الحاصل من كثرة أكل الطعام أي اتخم من لذته.
32 - قب: القاضي النعمان في شرح الاخبار بالاسناد، عن عبادة بن الصامت ورواه جماعة، عن غيره أنه سأل أعرابي أبابكر فقال: إني أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب علي؟ فقال له: يا أعرابي أشكلت علي في قضيتك، فدله على عمر، ودله عمر على عبدالرحمان فلما عجزوا قالوا: عليك بالاصلع فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): سل أي الغلامين شئت، فقال الحسن: يا أعرابي ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من ا لبيض نوقا فاضربهن بالفحول
_______________
(1) الانبياء: 111. (*)

===============
( 355 )
فما فضل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه، فقال أميرالمؤمنين: إن من النوق السلوب، ومنها مايزلق، فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق فان من البيض مايمرق، قال: فسمع صوت معاشوالناس: إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمها سليمان بن داود.
بيان: السلوب من النوق التي القت ولدها بغير تمام، وأزلقت الناقة: أسقطت والمراد هنا ما تسقط النطقة، ومرقت البيضة: فسدت.
أقول: قد اورد كثير من قضاياه (عليه السلام) في الفقيه والكافي في كتاب الحدود وكتاب القضايا وكتاب الديات، تركناها لو ضوح الامر وخوف الاطناب.
33 - قب: ابن سنان، عن رجل من أهل الكوفة أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كلم رجلا فقال: من أي بلد أنت؟ قال: من الكوفة قال: لو كنت بالمدينة لاريتك منازل جبرئيل (عليه السلام) من ديارنا.
محمد بن سيرين أن عليا (عليه السلام) قال لابنه الحسن: أجمع الناس فاجتمعوا فأقبل فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: أيها الناس إن الله اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئا إلا انتقصه الله من حقه في عاجل دنياه وآخرته، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ثم نزل فجمع بالناس، وبلغ أباه، فقبل بين عينيه ثم قال: بأبي وامي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
العقد عن ابن عبد ربه والاندلسي وكتاب المدائني أيضا أنه قال عمرو بن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن بن علي يخطب على المنبر، فلعله حصر فيكون ذلك وضعا له عند الناس فأمر الحسن بذلك، فلما صعد المنبر تكلم وأحسن ثم قال:
أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبيطالب أنا ابن أول المسلمين إسلاما، وامي فاطمة بنت رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين. وفي رواية ابن

===============
( 356 )
عبدربه - لو طلبتم ابنا لنبيكم مابين لابتيها (1) لم تجدوا غيري وغير أخي، فناداه معاوية يا أبامحمد حدثنا بنعت الرطب أراد بذلك يخجله، ويقطع بذل كلامه فقال: نعم تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس ويطيبه القمر - وفي رواية المدائني:
الريح تنفخه، والحر تنضجه والليل يبرده ويطيبه - وفي رواية المدائني فقال عمرو:
أبا محمد! هل تنعت الخرأة قال: نعم، تبعد الممشى في الارض الصحصح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تمسح باللقمة، والرمة، يريد العظم والروث - ولا تبل في الماء الراكد.
توضيح: الخرء بالفتح دفع الخروء بالضم، والصحصح المكان المستوي ولا يخفى مافي إدخال الروث في تفسير الرمة من الاشتباه.
34 - قب: المنهال بن عمرو أن معاوية سأل الحسن (عليه السلام) أن يصعد المنبر وينتسب، فصعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني: ومن لم يعرفني فسا بين له نفسي، بلدي مكة ومني، وأنا ابن المروة والصفا، وأنا ابن النبي المصطفى، وأنا ابن من علا الجبال الرواسي، وأنا ابن كسا محاسن وجهه الحيا، أنا ابن فاطمة سيدة النساء، أنا ابن قليلات العيوب، نقيات الجيوب - وأذن المؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله - فقال: يا معاوية محمد أبي أم أبوك؟ فان قلت: ليس بأبي فقد كفرت، وإن قلت: نعم، فقد أقررت ثم قال: أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها، وأصبحت العجم تعرف حق العرب بأن محمدا منها يطلبون حقنا ولايردو ن إلينا حقنا.
بيان: قال الجوهري: رجل ناصح الجيب أي أمين انتهى، فقوله (عليه السلام):
" نقيات الجيوب " كناية عن عفتهن كما أن طهارة الذيل في عرف العجم كناية عنها.
_______________
(1) اللابة: الحرة من الارض، يقال: " مابين لا تبيها مثل فلان " وأصله في المدينة وهى حرتاها المكتنفتان بها، ثم جرى في كل بلدة فيقولون: " مابين لابتيها مثل فلان " من دون اظهار صاحب الضمير. (*)

===============
( 357 )
35 - قب: كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن ثلاث: عن مكان بمقدار وسط السماء، وعن أول قطرة دم وقعت على الارض، وعن مكان طلعت فيه الشمس مرة، فلم يعلم ذلك، فاستغاث بالحسن بن علي (عليهما السلام) فقال: ظهر الكعبة، ودم حوا، وأرض البحر حين ضربه موسى.
وعنه (عليه السلام) في جواب ملك الروم: مالا قبلة له فهي الكعبة، ومالا قرابة له فهو الرب تعالى.
وسأل شامي الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: كم بين الحق والباطل؟ فقال:
أربع أصابع: فما رأيت بعينك فهو الحق وقد تسمع باذنيك باطلا كثيرا، وقال:
كم بين الايمان واليقين؟ فقال: أربع أصابع: الايمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه قال: وكم بين السماء والارض؟ قال: دعوة المظلوم، ومد البصر، قال: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس.
أبوالمفضل الشيباني في أماليه وابن الوليد في كتابه بالاسناد عن جابر بن عبدالله قال: كان الحسن بن علي قد ثقل لسانه، وأبطأ كلامه، فخرج رسول الله (صلى الله عليه واله) في عيد من الاعياد وخرج معه بالحسن بن علي فقال النبي (صلى الله عليه واله): الله أكبر يفتتح الصلاة قال الحسن: الله أكبر قال: فسر بذلك رسول الله فلم يزل رسول الله يكبر والحسن معه يكبر حتى كبر سبعا فوقف الحسن عند السابعة فوقف رسول الله (صلى الله عليه واله) عندها، ثم قام رسول الله إلى الركعة الثانية فكبر الحسن حتى إذا بلغ رسول الله خمس تكبيرات فوقف الحسن عند الخامسة، ووقف رسول الله عند الخامسة، فصار ذلك سنة في تكبير العيدين، وفي رواية أنه كان الحسين (عليه السلام).
كتاب إبراهيم: قال بعض أصحاب الحسن (عليه السلام) مرفوعا: الطلق للنساء إنما يكون سرة المولود متصلة بسرة امه فتقطع فيؤلمها.
أقول: قال عبدالحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى محمد بن حبيب في أماليه أن الحسن (عليه السلام) حج خمس عشرة حجة ماشيا تقاد الجنائب معه وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله عزوجل ثلاث مرات ماله، حتى أنه كان يعطي نعلا

===============
( 358 )
ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا.
وروى أيضا أن الحسن (عليه السلام) أعطى شاعرا فقال له رجل من جلسائه: سبحان الله شاعرا يعصي الرحمن ويقول البهتان؟ فقال: يا عبدالله إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.
36 - د: حدث الزبير بن بكار، وابن عون، عن عمير بن إسحاق قال:
ماتكلم أحد أخب إلى أن لا يسكت من الحسن بن علي (عليهما السلام) وما سمعت منه كلمة فحش قط وإنه كان بين الحسن بن علي وعمرو بن عثمان خصومة في أرض فعرض الحسين أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن (عليه السلام): ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه، فان هذه أشد وأفحش كلمة سمعتها منه قط.
37 - د: قيل: طعن أقوام من أهل الكوفة في الحسن بن علي (عليهما السلام) فقالوا:
إنه عي لا يقوم بحجة، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدعا الحسن فقال: ياابن رسول الله إن أهل الكوفة قد قالوا فيك مقالة أكرهها؟ قال: وما يقولون ياأميرالمؤمنين؟
قال: يقولون: إن الحسن بن علي عي اللسان لايقوم بحجة، وإن هذه الاعواد فأخبر الناس فقال: ياأميرالمؤمنين لا أستطيع الكلام وأنا أنظر إليك، فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) إني متخلف عنك فناد أن الصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون فصعد (عليه السلام) المنبر فخطب خطبة بليغة وجيزة فضج المسلمون بالبكاء ثم قال:
أيها الناس اعقلوا عن ربكم إن الله عزوجل اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم و آل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرية من آدم والاسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمد (صلى الله عليه واله) نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والارض المدحوة، والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لاشرقية ولا غربية التي بورك زيتها، النبي أصلها، وعلي فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلق بغصن من أغصانهانجا، ومن تخلف عنها فإلى النار هوى، فقام أميرالمؤمنين من أقصى الناس يسحب رداءه من خلفه حتى علا المنبر مع الحسن (عليه السلام) فقبل بين عينيه، ثم قال: ياابن رسول الله أثبت على القوم حجتك وأوجبت عليهم طاعتك، فويل لمن خالفك.

يتبع
(ذكر أولاده صلوات الله عليه، وأزواجه، وعددهم) " *
* " (وأسمائهم وطرف من أخبارهم) " *












توقيع :




سأظلُ أمشِي وَ الحنينُ يَدُلُنِي . .

وَ فُراتُ رُمشِي بِ الخشُوع يَبُلُنِي . .
لا تسَألُوا سَفَريِ لأيَن
وَ الشوقُ موطِنهُ الحُسَين
هُو مَن دعَانِي خَادِمي حَياكَ لِي
فَ أجبتُه آتٍ فِداكَ أبَا عَلِي ♥



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور زينب الحوراء   رد مع اقتباس
قديم 07-12-2011, 11:19 PM   المشاركة رقم: 5
**معلومات العضو**
الكاتب:
اللقب:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية زينب الحوراء

البيانات
التسجيل: Jan 2011
العضوية: 217
المشاركات: 2,441 [+]
بمعدل : 1.79 يوميا
اخر زياره : 07-05-2014 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13


الإتصالات
الحالة:
زينب الحوراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

آخر مواضيعي
كاتب الموضوع : زينب الحوراء المنتدى : {« سفينة النجاة »}
افتراضي رد: بحر من الأخلاق و العطاء والطيبة والقوة هؤلاء هم أهل بيت النبوة


ذكر أولاده صلوات الله عليه، وأزواجه، وعددهم) " *
* " (وأسمائهم وطرف من أخبارهم) " *
شا: أولاد الحسن بن علي (عليهما السلام) خمسة عشر ولدا ذكرا وانثى: زيد بن الحسن، واختاه ام الحسن وام الحسين، امهم ام بشير بنت أبي مسعود بن عقبة ابن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن امه خوله بنت منظور الفزارية وعمرو بن الحسن، وأخواه القاسم وعبدالله ابنا الحسن امهم ام ولد، وعبدالرحمن ابن الحسن امه ام ولد، والحسين بن الحسن الملقب بالاثرم، وأخوه طلحة بن الحسن واختهما فاطمة بنت الحسن امهم ام إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي وام عبدالله، وفاطمة، وام سلمة، ورقية بنات الحسن (عليه السلام) لامهات شتى (1).
عم: له من الاولاد ستة عشر، وزاد فيهم أبا بكر وقال: قتل عبدالله مع الحسين (عليه السلام).
2 شا: وأما زيد بن الحسن (عليه السلام) فكان يلي صدقات رسول الله (صلى الله عليه واله) وأسن وكان جليل القدر، كريم الطبع، ظريف النفس، كثير البر، ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله، وذكر أصحاب السيرة أن زيد بن الحسن كان يلي صدقات رسول الله (صلى الله عليه واله)، فلما ولي سليمان بن عبدالملك كتب إلى عامله بالمدينة؟:
" أما بعد فاذا جاءك كتابي هذا فاعزل زيدا عن صدقات رسول الله (صلى الله عليه واله) وادفعها إلى فلان بن فلان رجلا من قومه وأعنه على ما استعانك عليه والسلام "
_______________
(1) الارشاد ص 176.

===============

( 164 )
فلما استخلف عمر بن عبدالعزيز إذا كتاب جاء منه: أما بعد فان زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذوسنهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاردد عليه صدقات رسول الله (صلى الله عليه واله) وأعنه على ما استعانك عليه والسلام.
وفي زيد بن الحسن يقول محمد بن بشير الخارجي:
إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة إذا أخلفت أنواؤها ورعودها حمول لاشناق الديات كأنه سراج الدجى إذ قارنته سعودها ومات زيد بن الحسن وله تسعون سنة فرثاه جماعة من الشعرا وذكروا مآثره وتلوا فضله، فممن رثاه قدامة بن موسى الجمحي فقال:
فان يك زيد غالت الارض شخصه فقد بان معروف هناك وجود وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى به، وهو محمود الفعال فقيد سميع إلى المعتر يعلم أنه سيطلبه المعروف ثم يعود وليس بقوال وقد حط رحله لملتمس المعروف أين تريد إذا قصر الوغد الدني نمى به إلى المجد آباء له وجدود مباذيل للمولى محاشيد للقرى وفي الروع عند النائبات اسود إذا انتحل العز الطريف فانهم لهم إرث مجد ما يرام تليد إذا مات منهم سيد قام سيد كريم يبني بعده ويشيد وفي أمثال هذا يطول منها الكتاب (1).
بيان؟ قوله: " واخضر بالنبت " النبت إما مصدر أو الباء بمعنى مع، أو مبالغة في كثرة النبات. حتى أنه نبت في ساق الشجر، ويمكن أن يقرأ " العود " بالفتح وهو الطريق القديم، وإنما قيد كونه ربيعا بالشتوة لانها آخر السنة وهي مظنة الغلاء وفقد النبات، وقيد أيضا بشتاء أخلفت أنواؤها التي تنسب العرب الامطار إليها الوعد بالمطر، وكذا الرعود.
_______________
(1) ارشاد المفيد: ص 176 و 177.

===============
( 165 )
وقال الجوهري " الشفق " مادون الدية وذلك أن يسوق ذو الحمالة الدية كاملة فإذا كانت معها ديات جراحات فتلك هي الاشناق كأنها متعلقة بالدية العظمى وغاله الشئ أي أخذه من حيث لم يدر، و " المعتر " الذي يتعرض للمسألة ولا يسأل والمراد هنا السائل والضمير في " يعلم " راجع إلى المعتر ويمكن إرجاعه إلى زيد بتكلف.
قوله " ليس بقوال " أي إنه لا يقول لمن يحط رحله بفنائه ملتمسا معروفه أين تريد؟ لانه معلوم أن الناس لا يطلبون المعروف إلا منه، و " الوغد " الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه، وحاصل البيت أن الاداني إذا قصروا عن المعالي والمفاخر فهو ليس كذلك بل هو منتسب إلى المجد بسبب آباء وجدود، قوله:
" إذا انتحل " على البناء للمجهول، قوله " ما يرام " أى لا يقصد بسوء، و " التليد " القديم ضد الطريف.
3 شا: وخرج زيد بن الحسن رحمة الله عليه من الدنيا ولم يدع الامامة ولا ادعاه له مدع من الشيعة ولا غيرهم، وذلك أن الشيعة رجلان إمامي وزيدي فالامامي يعتمد في الامامة على النصوص، وهي معدومة في ولد الحسن (عليه السلام) باتفاق ولم يدع ذلك أحد منهم لنفسه فيقع فيه ارتياب، والزيدي يراعي في الامامة بعد علي والحسن والحسين (عليهم السلام) الدعوة والجهاد، وزيد بن الحسن رحمة الله عليه كان مسالما لبني امية، ومتقلدا من قبلهم الاعمال، وكان رأيه التقية لاعدائه، والتألف لهم والمداراة، وهذا يضاد عند الزيدية علامات الامامة كما حكيناه.
وأما الحشوية فانها تدين بامامة بني امية ولا ترى لولد رسول الله (صلى الله عليه واله) إمامة على حال، والمعتزلة لا ترى الامامة إلا فيمن كان على رأيها في الاعتزال ومن تولوهم العقد بالشورى والاختيار، وزيد على ما قدمنا ذكره خارج عن هذه الاحوال، والخوارج لا ترى إمامة من تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) وزيد كان متواليا أباه وجده بلا خلاف.

===============
( 166 )
وأما الحسن بن الحسن (عليه السلام) فكان جليلا رئيسا فاضلا ورعا، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وقته، و [كان] له مع الحجاج بن يوسف خبر رواه الزبير بن بكار قال: كان الحسن بن الحسن واليا صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) في عصره فسار يوما الحجاج بن يوسف في موكبه وهو إذ ذاك أمير المدينة فقال له الحجاج: أدخل عمر بن علي معك في صدقة أبيه فانه عمك وبقية أهلك فقال له الحسن: لا اغير شرط علي (عليه السلام) ولا ادخل فيه من لم يدخل، فقال الحجاج:
إذا ادخله معك.
فنكص الحسن بن الحسن (عليه السلام) عنه، حين غفل الحجاج، ثم توجه إلى عبدالملك حتى قدم عليه فوقف ببابه يطلب الاذن، فمر به يحيى بن ام الحكم فلما رآه يحيى علدل إليه وسلم عليه وسأله عن مقدمه وخبره، ثم قال له: سأنفعك عند أمير المؤمنين يعني عبدالملك.
فلما دخل الحسن بن الحسن على عبدالملك رحب به وأحسن مساءلته، وكان الحسن قد أسرع إليه الشيب ويحيى بن ام الحكم في المجلس، فقال له عبدالملك:
لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمد؟ فقال له يحيى: وما يمنعه لابي محمد؟ شيبه أماني أهل العراق، تفد عليه الركب يمنونه الخلافة، فأقبل عليه الحسن بن الحسن وقال له:
بئس والله الرفد رفدت، ليس كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب وعبدالملك يسمع.
فأقبل عبدالملك فقال: هلم بما قدمت له! قأخبره بقول الحجاج فقال:
ليس ذلك له أكتب كتابا إليه لا يجاوزه، فكتب إليه، ووصل الحسن بن الحسن وأحسن صلته.
فلما خرج من عنده لقيه يحيى بن ام الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره وقال له: ما هذا الذي وعدتني به؟ فقال له يحيى: إيها عنك، فو الله لا يزال يهابك ولولا هيبتك ما قضى لك حاجة، وما ألوتك رفدا.

===============
( 167 )
وكان الحسن بن الحسن حضر مع عمه الحسين (عليه السلام) يوم الطف فلما قتل الحسين (عليه السلام) واسر الباقون من أهله جاءه أسماء بنت خارجة فانتزعه من بين الاسارى، وقال: والله لا يوصل إلى ابن خولة أبدا فقال عمر بن سعد:
دعوا لابي حسان ابن اخته، ويقال إنه اسر وكان به جراح قد أشفى منه.
وروي أن الحسن بن الحسن (عليه السلام) خطب إلى عمه الحسين (عليه السلام) إحدى ابنتيه فقال له الحسين (عليه السلام): اختر يا بني أحبهما إليك فاستحيى الحسن ولم يحر جوابا فقال له الحسين (عليه السلام): فاني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبها بفاطمة امي بنت رسول الله (صلى الله عليه واله).
وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة رحمه الله وأخوه زيد بن الحسن حي، ووصى إلى أخيه من امه إبراهيم بن محمد بن طلحة، ولما مات الحسن ابن الحسن ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين بن علي (عليهما السلام) على قبره فسطاطا وكانت تقوم الليل وتصوم النهار، وكانت تشبه بالحور العين لجمالها، فلما كان رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل فقوضوا هذا الفسطاط، فلما أظلم الليل سمعت صوتا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا " فأجابه آخر يقول: " بل يئسوا فانقلبوا ".
ومضى الحسن بن الحسن ولم يدع الامامة ولا ادعاها له مدع كما وصفناه من حال أخيه رحمه الله، وأما عمرو والقاسم وعبدالله بنو الحسن بن علي (عليهما السلام) فانهم استشهدوا بين يدي عمهم الحسين بن علي (عليهما السلام) بالطف رضي الله عنهم وأرضاهم وأحسن عن الدين والاسلام وأهله جزاءهم، وعبدالرحمن بن الحسن رضي الله عنه خرج مع عمه الحسين (عليه السلام) إلى الحج فتوفي بالابواء وهو محرم رحمة الله عليه والحسين بن الحسن المعروف بالاثرم كان له فضل ولم يكن له ذكر في ذلك، وطلحة ابن الحسن كان جوادا.
بيان: قوله " وما يمنعه " أي المشيب (1) قوله، " ما ألوتك، رفدا " أي
_______________
(1) وفى المصدر ص 178: وما يمنعه؟ يا أمير المؤمنين، شيبه ".

===============
( 168 )
ما قصرت في رفدك، قوله: " قد أشفى عنه " أي أشرف على الهلاك، وقوضت البناء نقضته (1).
4 قب: أولاده (عليه السلام) ثلاثة عشر ذكرا، وابنة واحدة: عبدالله، وعمر والقاسم، أمهم ام ولد، والحسين الاثرم، والحسن، امهما خولة بنت منظور الفزارية، والعقيل، والحسن، امهما ام بشير بنت أبي مسعود الخزرجية، وزيد وعمر، من الثقفية، وعبدالرحمن من ام ولد، وطلحة، وأبوبكر، امهما ام إسحاق بنت طلحة التيمي، وأحمد، وإسماعيل، والحسن الاصغر: ابنته ام الحسن فقط عند عبدالله، ويقال وام الحسين وكانتا من ام بشير الخزاعية وفاطمة من ام إسحاق بنت طلحة، وام عبدالله، وام سلمة، ورقية لامهات أولادها (2).
_______________
(1) ارشاد المفيد: ص 177 179.
(2) اختلف في عدد أولاده (عليه السلام) وأسمائهم وامهات أولاده وترتيبهم فقد نقل الاربلى في كشف الغمة ج 2 ص 152 عن كمال الدين ابن طلحة: أن عدد أولاده الذكور خمسة عشر وسرد أسماءهم وله بنت واحدة تسمى ام الحسن، ونقل عن ابن الخشاب: أن له (عليه السلام) أحد عشر ولدا وبنتا.
ثم نقل في ص 158 عن الحافظ عبدالعزيز بن الاخضر الجنابذى: أن له (عليه السلام) اثنى عشر ولدا ذكرا وخمس بنات، وبعد ما ذكر أسماءهم قال: والذى أراه أن في هذه الاسماء تكريرا، وأظنه من الناسخ، وأهل مكة أخبر بشعابها، فما ذكره الشيخ المفيد
(وقد نقله من ص 153 158) هو الذى يعتمد عليه في هذا الباب، لانه أشد حرصا، وأكثر تنقيبا وكشفا وطلبا لهذه الامور.
أقول: ونقل سبط ابن الجوزى عن الواقدى وابن هشام: أن له (عليه السلام) خمس عشرة ذكرا وثمان بنات، فمن الذكور: على الاكبر، على الاصغر، جعفر، فاطمة، سكينة ام الحسن، عبدالله، القاسم، زيد، عبدالرحمن، أحمد، اسماعيل، الحسين، عقيل الحسن، وهو أبوعبدالله حسن بن حسن بن على (عليهم السلام) ولم يسم الباقين.

===============
( 169 )
وقتل مع الحسين (عليه السلام) من أولاده عبدالله والقاسم وأبوبكر، والمعقبون من أولاده اثنان: زيد بن الحسن، والحسن بن الحسن.
أبوطالب المكي في قوت القلوب إنه (عليه السلام) تزوج مائتين وخمسين امرأة، وقد قيل ثلاث مائة وكان علي (عليه السلام) يضجر من ذلك، فكان يقول في خطبته: إن الحسن مطلاق فلا تنكحوه.
أبوعبدالله المحدث في رامش أفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في خلف جنازته حافيات (1).
_______________
وهذا المذكور انما هو ترتيب الواقدى وهشام بن محمد، وأما محمد بن سعد فقد رتبهم في الطبقات على غير هذا الترتيب، وزاد، فقال:
كان للحسن (عليه السلام) من الولد: محمد الاصغر، جعفر، حمزة، فاطمة، درجوا كلهم وامهم ام كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبدالمطلب، محمد الاكبر: وبه كان يكنى والحسن: امهما خولة بنت منظور الغطفانية. زيد، ام الحسن، ام الخير: امهم ام بشر بنت ابى مسعود الانصارى واسمه عقبة بن عمرو. اسماعيل، يعقوب: امهما جعدة بنت الاشعث ابن قيس التى سمته. القاسم، أبوبكر، عبدالله: قتلوا مع الحسين يوم الطفوف وامهم ام ولد، ولا بقية لهم. حسين الاثرم، عبدالرحمن، ام سلمة: لام ولد تسمى ظمياء. عمر:
لام ولد لا بقية له. ام عبدالرحمن [عبدالله] وهى ام أبى جعفر محمد بن على بن الحسين (عليه السلام) وامها ام ولد تدعى صافية. طلحة: لا بقية له وامه ام اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمى، عبدالله الاصغر: امه زينب بنت سبيع بن عبدالله أخى جرير بن عبدالله البجلى وهذا أصح. انتهى.
أقول: فعلى هذا كان له (عليه السلام) ستة عشر ذكرا وخمس بنات، وكيف كان ما ذكره ابن شهر آشوب هناك مختلط عليه من حيث الاسماء وعدد أولاده الذكور كما لا يخفى.
(1) اشتهر عنه (عليه السلام) أنه تزوج ثلاث مائة امرأة، والاصل في ذلك ما ذكره أبو طالب المكى في قوت القلوب كما نقله ابن شهر آشوب فأرسله المؤرخون ارسال المسلمات ونقلوا ذلك في كتبهم بلا تثبت وتحقيق، مع كون الرجل ضعيف الرواية، ليس بثبت ولا ثقة وأن ما ذكره لا يصح في العقول بوجه من الوجوه:

===============
( 170 )
البخاري: لما مات الحسن بن الحسن بن علي (عليهما السلام) ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول: " هل وجدوا ما فقدوا "؟ فأجابه آخر: " بل يئسوا فانقلبوا " وفي رواية غيرها أنها، أنشدت بيت لبيد:
_______________
وذلك لان أولاده المذكورين بأسمائهم على اختلاف في عددهم (بين 15 21) انماهم من عشرة من أزواجه (عليه السلام)، قد سماهن أهل السير كما سمعت من ابن سعد في الطبقات وهذه النسبة بين عدد الازواج والاولاد، هو المتعارف المعتاد فلو كان تزوج مائتين وخمسين امرأة أو ثلاث مائة امرأة، كان لابد وأن يتولد منهن أكثر من مائتين ولد: ذكر وانثى على الاقل بعد فرض العقم في جمع منهن.
ولا يحتمل العزل منهن، لانه (عليه السلام) انما كان يتزوج الشابة من النساء والابكار رغبة في مباضعتهن، والالتذاذ من المباضعة لا يتحقق مع العزل كما لا يخفى.
على ان الرجل انما يعزل عن المرأة مخافة أن يولدها، وذلك اما لنقص في حسبها أو مخافة العيلة، اما ناقصة الحسب فلم يكن ليرغب فيها مثل الحسن السبط (عليه السلام) مع شرفه الباذخ ولم يذكر في شئ من كتب السير أنه رغب إلى خضراء الدمن، وانما كان يخطب الاشراف من النساء أبا واما.
وأما خوف العيلة فهو الذى كان يبارى بجوده وفضله السحاب، وقد روى عن ابن سيرين (كما في الحلية للحافظ أبى نعيم راجع ج 2 ص 142 كشف الغمة) أنه قال: تزوج الحسن بن على (عليهما السلام) امرأة فأرسل اليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم وعن الحسن بن سعيد، عن أبيه قال: متع الحسن بن على (عليهما السلام) امرأتين (يعنى حين طلقهما) بعشرين ألفا وزقاق من عسل فقالت احداهما: متاع قليل من حبيب مفارق ونقل ابن شهر آشوب (ج 4 ص 17 من مناقبه) أنه تزوج جعدة بنت الاشعث وأرسل اليها ألف دينار.
فهذا الرجل الذى ينفق كيف يشاء، لا يخاف العيلة وكثرة الاولاد، كيف وقد قال جده (صلى الله عليه واله): تناكحوا تناسلوا تكثروا فانى اباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط، أو كيف يعزل وانه يعلم بشرى القرآن المجيد بكوثر من نسل رسول الله منه ومن أخيه الحسين، أكان يعزل نطفته رغما لتلك البشارة؟ كلا وكلا.

===============
( 171 )
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (1)
5 قب: في الاحياء: إنه خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى عبدالرحمن ابن الحارث بنته، فأطرق عبدالرحمن ثم رفع رأسه فقال: والله ما على وجه الارض من يمشي عليها أعز علي منك، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني وأنت مطلاق، فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك لانك بضعة من رسول الله (صلى الله عليه واله) فان شرطت [أن] لا تطلقها زوجتك.
فسكت الحسن (عليه السلام)، وقام وخرج، فسمع منه يقول: ما أراد عبدالرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا في عنقي.
وروى محمد بن سيرين: أنه خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى منظور بن ريان ابنته خولة، فقال: والله إني لانكحك وإني لاعلم أنك غلق طلق ملق غير أنك أكرم العرب بيتا وأكرمهم نفسا، فولد منها الحسن بن الحسن.
ورأى يزيد امرأة عبدالله بن عامر ام خالد بنت أبي جندل فهام بها وشكا ذلك إلى أبيه، فلما حضر عبدالله عند معاوية قال له: لقد عقدت لك علي ولاية البصرة، ولولا أن لك زوجة لزوجتك رملة، فمضى عبدالله وطلق زوجته طمعا في رملة، فأرسل معاوية أبا هريرة ليخطب ام خالد ليزيد ابنه، وبذل لها ما أرادت من الصداق، فاطلع عليها الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر (عليهم السلام) فاختارت
_______________
والحاصل أنه لا يصح في حكم العقول أن يتزوج ثلاثمائة امرأة ولا تولد منها الا عشرة.
فالصحيح ما يظهر من كتب السير المعتبرة بعد السير فيها أنه تزوج ما بين 20 إلى 30 امرأة غير ما ملكت يمينه (عليه السلام)، وحيثما لا تكون تحته أكثر من أربعة حرائر كان عليه أن يطلق زوجة وينكح اخرى، ولذلك اشتهر بكونه مطلاقا، لما لم يكن يعهد ذلك من غيره، فزاد العامة من الناس على سيرتهم في سرد القضايا (يك كلاغ جهل كلاغ)
فقالوا انه تزوج كذا وكذا من غير روية ولا دراية.
(1) مناقب آل أبى طالب: ج 4 ص 29 و 30.

===============
( 172 )
الحسن فتزوجها (1).
توضيح: رجل غلق بكسر اللام سيئ الخلق، ورجل ملق بكسر اللام يعطي بلسانه ما ليس في قلبه، وقال الجزري في حديث الحسن: إنك رجل طلق أي كثير طلاق النساء.
6 كا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد بن عيسى، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن عليا صلوات الله عليه قال وهو على المنبر: لا تزوجوا الحسن فانه رجل مطلاق، فقام رجل من همدان فقال: بلى والله لنزوجنه، وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه واله) وابن أمير المؤمنين فان شاء أمسك وإن شاء طلق (2).
7 كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن جعفر ابن بشير، عن يحيى بن أبي العلا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) طلق خمسين امرأة، فقال علي (عليه السلام) بالكوفة فقال: يا معشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن فانه رجل مطلاق، فقام إليه رجل فقال: بلى والله لننكحنه إنه ابن رسول الله (صلى الله عليه واله) وابن فاطمة (عليها السلام) فان أعجبه أمسك وإن كره طلق (3).
8 كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: توفي عبدالرحمن بن الحسن ابن علي بالابواء وهو محرم، ومعه الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر وعبدالله وعبيد الله ابنا العباس، فكفنوه وخمروا وجهه ورأسه ولم يحنطوه، وقال: هكذا في كتاب علي (4).
_______________
(1) المناقب: ج 4 ص 38.
(2) الكافى: ج 6 ص 56.
(3) المصدر نفسه.
(4) الكافى: ج 4 ص 368.

===============
( 173 )
9 أقول: قال ابن أبي الحديد، قال أبو جعفر محمد بن حبيب: كان الحسن (عليه السلام) إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها فقال: أيسرك أن أهب لك كذا وكذا، فتقول له: ما شئت أو نعم، فيقول: هولك، فاذا قام أرسل إليها بالطلاق وبما سمى لها.
وروى أبوالحسن المدائني قال: تزوج الحسن (عليه السلام) هندا بنت سهيل بن عمرو وكانت عند عبدالله بن عامر بن كريز فطلقها فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية، قال الحسن (عليه السلام) فاذكرني لها، فأتاها أبوهريرة فأخبرها الخبر، فقالت: اختر لي؟ فقال: أختار لك الحسن، فزوجته.
وروى أيضا أنه (عليه السلام) تزوج حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر وكان المنذر بن الزبير يهواها فابلغ الحسن عنها شيئا فطلقا فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت: شهرني.
وقال أبوالحسن المدائني: كان الحسن (عليه السلام) كثير التزويج: تزوج خولة بنت منظور بن زياد الفزارية، فولدت له الحسن بن الحسن وام إسحاق بنت طلحة ابن عبيد الله فولدت له ابنا سماه طلحة، وام بشر بنت أبي مسعود الانصاري فولدت له زيدا، وجعدة بنت الاشعث، وهي التي سمته، وهندا بنت سهيل بن عمرو وحفصة ابنة عبدالرحمن بن أبي بكر، وامرأة من كلب، وامرأة من بنات عمرو ابن الاهيم المنقري، وامرأة من ثقيف فولدت له عمر، وامرأة من بنات علقمة ابن زرارة، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة فقيل له: إنها ترى رأي الخوارج فطلقها، وقال: إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم.
قال المدائني: وخطب إلى رجل فزوجه وقال له: إني مزوجك وأعلم أنك ملق طلق غلق، ولكنك خير الناس نسبا وأرفعهم جدا وأبا.
وقا ل: احصى زوجات الحسن (عليه السلام) فكن سبعين امرأة.
10 د: تزوج (عليه السلام) سبعين حرة، وملك مائة وستين أمة في سائر عمره وكان أولاده خمسة عشر.

وفاته
وفي وفاته عليه السلام أنه قبض بالمدينة لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة، وكان بذل معاوية لجعدة بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي إبنه أم فروة أخت أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار واقطاع عشرة ضياع من سقي سوراء وسواد الكوفة على أن تسم الحسن عليه السلام، وتولى الحسين عليه السلام تغسيله وتكفينه ودفنه وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد عليها السلام بوصية منه، ولما مات الحسن عليه السلام ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت، وقيل أن زوجاته خرجن خلف جنازته حافيات.


قال كمال الدين: مرض الحسن عليه السلام أربعين يوماً ثم مات، وقال المفيد رحمه الله لما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد اللعين دس إلى جعدة بنت الأشعث وكانت زوجة الحسن بن علي عليهما السلام من حملها على سمه وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد فأرسل اليها مائة ألف درهم فسقته جعدة السم وبقي عليه السلام أربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر سنة خمسين للهجرة وتولى أخوه ووصيه الحسين بن علي عليهم السلام غسله وتكفينه ودفنه في البقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف عليها السلام.
هدم قبره: في الثامن من شوال سنة 1344هـ، هدم الوهابيون قبره وقبور بقية الأئمة عليهم السلام.












توقيع :




سأظلُ أمشِي وَ الحنينُ يَدُلُنِي . .

وَ فُراتُ رُمشِي بِ الخشُوع يَبُلُنِي . .
لا تسَألُوا سَفَريِ لأيَن
وَ الشوقُ موطِنهُ الحُسَين
هُو مَن دعَانِي خَادِمي حَياكَ لِي
فَ أجبتُه آتٍ فِداكَ أبَا عَلِي ♥



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور زينب الحوراء   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

منتديات كوثر الولاية الثقافية
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كيف نتعرض لشعاع العطاء الحسيني؟ تسبيحة الزهراء -:: عاشوراء الحسين (ع) ::- 4 08-29-2012 03:59 PM
الأخلاق الفاضلة من دلالات النور زهرة الحياة رسالة السماء 1 12-26-2011 02:28 AM
عندما ينكشف الغطاء! mohaned *الكاتب المميز mohaned 2 05-16-2011 06:26 PM
نهر العطاء في إيران ملكوت عالم الصور و الفوتـوغراف 7 11-19-2010 01:38 AM


عمل أهداء لمولاي الحسين (عليه السلام) روحي له الفداء.:اضغط هنا لمشاهدة البث المباشر من مرقد ابا الاحرار الامام الحسين (عليه السلام:.

الساعة الآن 10:09 PM.

Powered by vBulletin Version
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Installation is by: QQ ABU HASHIM QQ